قضايا المياه بين الأمن القومي العربي والأمن القومي الاسرائيلى

قضايا المياه بين الأمن القومي العربي والأمن القومي الاسرائيلى

 لابد من إبراز مصطلح الأمن المائي العربي في الفكر السياسي والاستراتيجي والقومي العربي ، لان أزمة نقص المياه تعد احد أهم الإخطار التي تواجه الأمن القومي العربي ، والتي نأمل إلا تتحول إلي مشكلة تبعية مائية.

 

عناصر الورقة البحثية               

  • مشكلة الدراسة وأهدافها وحدودها وأهميتها والدراسات السابقة
  • المياه في الأمن القومي العربي
  • المياه في الأمن القومي الاسرائيلى
  • التنسيق المائي الاسرائيلى والاقليمى
  • انعكاسات الأطماع المائية الإسرائيلية على الأمن القَومِي العربي
  • مستقبل المياه في المنطقة العربية
  • الخاتمة
  • نتائج الدراسة
  • توصيات الدراسة
  • المراجع

 اولا : مشكلة الدراسة :

المياه في الصراع العربي- الإسرائيلي

     تناول العديد من الباحثين والدارسين مسألة موقع المياه في الصراع العربي الإسرائيلي بالدراسة والتحليل، إلا أننا نرى أن هناك حاجة لإلقاء مزيد من الضوء على مكانة المياه في خضم هذا الصراع الذي بدأ منذ نهاية القرن التاسع عشر، بسبب ما تشهده منطقة الشرق الأوسط الآن من انعطاف حاد في تاريخها منذ اندلاع انتفاضة الأقصى في الأراضي الفلسطينية، وما أحدثته من إفرازات لعل أهمها تهديد إسرائيل للعديد من الدول العربية المجاورة، وصعود حزب الليكود بزعامة نتياهو إلى الحكم، وإطلاقه للتصريحات العدائية ليس للفلسطينيين فحسب بل للعرب جميعاً، ومن أبرزها إن حرب الاستقلال التي بدأت عام 1948 لم تنته بعد.

               إن هذه اللهجة التي اتسم بها الخطاب الإسرائيلي تدل على أن الأطماع الإسرائيلية في الأراضي العربية ما زالت قائمة، وأن حكام إسرائيل مهما اختلفت اتجاهاتهم السياسية، ما زالوا يمضون في تنفيذ المبادئ والأفكار الصهيونية التي نشأت منذ زمن، ولعل أهم ما تدعو إليه هذه المبادئ هو أن السيطرة على الأراضي يجب أن تكون مصاحبة للسيطرة على المياه، ولهذا فإن المحاولات الصهيونية لإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين كانت تقوم دائماً على المزج بين الخريطة المائية والخريطة الأمنية، أو بمعنى آخر كانت تضع مصادر المياه في اعتباراتها عند تخطيط الحدود.

 

 إن هذا المزج ما زال قائماً حتى الآن،  فما زالت إسرائيل تسيطر على هضبة الجولان السورية لا لشيء،  إلا لأنها تضم منابع نهر الأردن الحيوي بالنسبة لإسرائيل، أما غير ذلك فحجج واهية خصوصاً وأن التطور الذي حدث في تقنيات السلاح وانتصار الجيوش العربية على إسرائيل عام 1973،  قد أسقط نظرية الأمن الإسرائيلية، وكذلك سيطرتها على الجنوب اللبناني مدة 20 عاما،ً وما زالت تطمع في العودة إليه بسبب مياه نهر الليطاني الذي دخل ضمن دائرة الأطماع الإسرائيلية منذ اللحظة الأولى التي بدأ فيها التفكير بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين،  كذلك محاولات إسرائيل فتح آفاق من العلاقات مع كل من تركيا وأثيوبيا ما هي إلا جهود تصب في محاولة استغلال الموارد المائية للتأثير على أكبر الدول العربية في المنطقة، مصر وسوريا والعراق، ولما كان الصراع العربي الإسرائيلي مستمراً نجد أنه من الضروري تناول هذا الموضوع للكشف عن أخطاره المستقبلية التي تهدد حياة الإنسان العربي بشكل عام والفلسطيني بشكل خاص.  .  .ومن هنا تنبع تساؤلات الدراسة .   

تساؤلات الدراسة :

السؤال الاساسى :

س :ما مستقبل وأبعاد قضية المياه في الصراع العربي الاسرائيلى  ؟

التساؤلات الفرعية:

س1: ما هي الأطماع الإسرائيلية في المياه العربية  ؟

س2: ما هي الخلفيات التاريخية لهذه الأطماع ؟؟

س3: ما أهم المشاريع المائية التي تحاول إسرائيل تنفيذها لاستغلال المياه العربية  ؟

س4: ما أهم انعكاسات قضية المياه على مستقبل الصراع العربي الاسرائيلى  ؟

 أهمية الدراسة :

تتضح أهمية هذه الدراسة من خلال ما يلي  :

  • أن هذه الدراسة توضح أبعاد وإشكاليات قضية المياه في الصراع العربي الاسرائيلى  .

     -    أن هذه الدراسة تبرز أهم الأطماع الإسرائيلية في المياه العربية .

     -   أنها تعرض الخلفيات التاريخية للأطماع الصهيونية في المياه العربية .

     -  أنها تعرض لأهم المشاريع المائية الإسرائيلية وعلاقتها بالمصالح والحقوق العربية وانعكاسات هذه  القضية على مستقبل الصراع العربي الاسرائيلى  .

     -  أن هذه الدراسة تلقى الضؤء على التدابير العربية لمواجهة هذه المخططات الصهيونية لاستغلال المياه العربية

فروض الدراسة :

تفترض الدراسة ما يلي :

  • أن الأطماع الصهيونية في المياه العربية لن تنتهي .
  • أن هناك علاقة بين مشاريع الاستيطان الصهيوني وبين مشكله المياه
  • سوف يكون هناك ترتيبات عربية مشتركة ومحدودة لمجابهة هذه الأطماع

الدراسات السابقة :

هناك عدة دراسات بحثية تناولت قضية المياه وأبعادها على الصراع العربي الاسرائيلى

 ومن أهم هذه الدراسات ما يلي:

1- الدراسة  التي قام بها : الخبير الامريكى ( والتر كلاى لاودرميلك ) عام 1944 بعنوان ( فلسطين ارض الميعاد ) ضمنها مقترحات لمشاريع مائية ادعى بأنه بتنفيذها ستتاح إمكانية زيادة استيعاب فلسطين لما لا يقل عن أربعه ملايين من المهاجرين الجدد  (1)

2-   دراسة المهندس صبحي كحالة عام 1980 بعنوان (المشكلة المائية في إسرائيل وانعكاساتها على الصراع العربي الاسرائيلى ) وتناول فيها أهم المشاريع والأطماع الصهيونية في المياه العربية (2)

3-  الدراسة التي أعدها مركز المعلومات الفلسطيني – وفا بعنوان ( المياه في الصراع العربي الاسرائيلى ) والتي خلصت إلى مجموعة من النتائج منها ضرورة  تبني إستراتيجية مائية عربية تأخذ في اعتبارها البعد القومي لهذه القضية وذلك من خلال تجاوز الخلافات العربية على الأصعدة السياسية، والتوجه للعمل العربي المشترك بما يخدم المواطن العربي ويؤمن مستقبله. وكذلك من خلال التركيز على مسألة المياه عند إعادة هيكله الجامعة العربية وذلك بإنشاء هيئة عربية للمياه تطلع بمسائل المياه، من حيث الدراسات والأبحاث واقتراح المشاريع المختلفة التي تخدم الشعوب العربية واستغلال مواردهم المائية استغلالاً أمثل.

 

مصطلحات الدراسة:                                                   

الأمن: الأمن القومي المائي  لكل دولة مع الإشارة لذلك

المنطقة الملتهبة: الشرق الأوسط                                    

القضية : قضية المياه

داخل المنطقة : منطقة الشرق الأوسط

 

المنهج المستخدم في الدراسة :

 تم استخدم المنهج التحليلي لأنه الأنسب لهذه الدراسة حيث يعتمد على المدخلان من المعلومات وعلى الخبرات السابقة ثم تحليها على نسق منطقي مرتب للأفكار الذي يؤدى في النهاية إلى الوصول إلى نتائج منطقية تكون الأقرب للواقع .

حدود البحث:

قضية المياه وانعكاساتها الأمن القومي العربي والاسرائيلى

أولا : المياه في الأمن القومي العربي

تعريف الأمن القومي

        لا يوجد اتفاق علي تعريف الأمن القومي لأنه مفهوم حديث نسبيا ، وحقل جديد من حقول العلوم السياسية ، ولكن يثار هذا المفهوم حول التهديدات التي تواجه القيم الجوهرية للدولة ، بما فيها الاستقلال والسيادة ووحدة الأراضي والإمكانات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

        فتعرفه موسوعة العلوم الاجتماعية بأنه ، قدرة الدولة أو الأمة علي حماية قيمها الداخلية من التهديدات الخارجية.

       ويعرف بأنه ، مفهوم شامل يتدرج من حق البقاء فحماية الذات وانتهاء بفرض الإرادة ، إذ من حق البقاء أن تفعل الدول كل ما هو لازم من وجهة نظرها لبقائها ، وهو من الحقوق الأساسية للدول أو الحقوق المطلقة غير القابلة للتصرف ومثله في ذلك حق الاستقلال والسيادة.

      كما يمكن تحديد المقصود بمفهوم الأمن القومي بأنه ، تأمين كيان الدولة أو عدد من الدول من الأخطار التي تهددها في الداخل و من الخارج ، وتأمين مصالحها الحيوية ، وخلق الأوضاع الملائمة لتحقيق أهدافها وغاياتها القومية.

      ويقصد به أيضا ، مجموعة الإجراءات التي يتعين علي الدولة أن تتخذها في حدود طاقتها للحفاظ علي كيانها ومصالحها في الحاضر والمستقبل مع مراعاة المتغيرات الدولية.

 مما سبق يمكن أن نعرف الأمن القومي بأنه : مفهوم يقصد به الحفاظ علي كيان الدولة والمجتمع أو عدد من الدول والمجتمعات ذات الرابطة القومية ضد الأخطار التي تتهددها داخليا وخارجيا ، والعمل علي تحقيق أهدافها وغايتها مما يدعم من كياناتها.

 المياه في الأمن القومي العربي

           إن الاهتمام بالأمن القومي العربي من قبل المثقفين والمفكرين العرب هو اهتمام حديث برز بوضوح في بداية الثمانينات لزيادة الأخطار المحدقة بالعالم العربي ، ولزيادة الاهتمام بموضوع الأمن القومي العربي بشكل عام ، ولوجود الرغبة في التوصل إلي سبل لحماية الأمن القومي العربي بشكل خاص.

وتتباين تعريفات الأمن القومي العربي ، ومنها :

         انه يعبر عن مفهوم قومي يرتبط بالسمة الخاصة للنظام العربي وبطبيعة العلاقات القومية التي تربط بين الشعوب العربية ، وان الغموض الذي يحيط به أحيانا في هذه المرحلة ينبع من طبيعة الواقع العربي الذي يتسم بالتجزئة وتكريس السيادات القطرية ، وهذه التناقض بين الطموح القومي والواقع القطري هو الذي يؤدي إلي غموض مفهوم الأمن العربي.

     ويجتهد أحد المفكرين العرب في تعريف الأمن القومي العربي بأنه "حاصل الأمن القطري لكل الأقطار العربية أو حصيلة مجموع الأمن الوطني لكل قطر عربي".

       كما يعرف بأنه تأمين المناعة الإقليمية ، والاستقرار السياسي ، والتكامل الاقتصادي ، بين أجزاء الوطن العربي ، وتعزيز آليات وقواعد العمل المشترك بما فيها القدرة الدفاعية لوقف الاختراقات الخارجية للجسم العربي ، وتصليب العلاقة التي تبدو هلامية في الوقت الراهن بين وحدات النظام العربي ، وما يتطلبه ذلك من اعتماد الحوار والتفاوض لإنهاء الخلافات والصراعات الدائرة بين هذه الوحدات.

ومن خلال هذا الفهم لمصطلح الأمن القومي العربي تجدر الإشارة في البداية إلي مصادر التهديد لهذا الأمن ، والتي يمكن إيجازها فيما يلي :

1- الكيان الإسرائيلي عبر ما تشكله إستراتيجيته من تحد للأمن العربي ، أو ما يشكله وجوده الحالي من إعاقة لإثبات الحقوق العربية في فلسطين ، وإقامة دولة فلسطينية ، فهو دخيل علي الوطن العربي خلق حالة توتر ومن ثم عنف هدد به استقرار الأمة العربية ومصالحها وحضارتها ووجودها ، وهو يشكل التهديد الرئيسي والأول للأمن القومي العربي .

2- عدم كفاءة بعض النظم السياسية العربية سياسيا واجتماعيا ، أي عدم قدرتها علي الاستجابة لمتطلبات العصر خاصة ما يتعلق بطموحات المواطن العربي الأساسية نحو الديمقراطية والدالة الاجتماعية.

3- التخلف والتجزئة والتعبئة وبطء عملية التنمية الاقتصادية وعدم شموليتها في الدول العربية مما يخلق أخطارا اقتصادية تؤثر علي الأمن القومي العربي.

4- الأخطار الاجتماعية التي يواجهها الأمن القومي العربي برغم تجانس المجتمع العربي نظريا  ومن هذه الأخطار الانقسامات القبلية والطائفية والعنصرية مما يهدد بخلق صراعات داخل هذا المجتمع ، واستغلال الدول المعادية لذلك. ومنها أيضا انتشار الأمية التي تصل إلي حوالي 80% وتدني مستوي الخدمات الاجتماعية والأوضاع الصحية والحرمان الاقتصادي ، وغير ذلك من مظاهر التخلف الاجتماعي التي يصعب حصرها ولكنها تكون بيئة خصبة لانتشار التطرف وتهديد الأمن القومي العربي داخليا.

5- الأطماع الخارجية للدول الكبرى في العالم العربي الذي يمتاز بموقعه الاستراتيجي وإمكاناته الاقتصادية.

وبربطنا قضية المياه بالمص\در الرئيسي والأول لتهديد الأمن القويم العربي ، فإننا نجد إن إستراتيجية الكيان الإسرائيلي الأمنية ، وبتعبير أدق التوسعية ، متعارضة تماما مع متطلبات الأمن العربي ، لان هذه الإستراتيجية استخدمت وسيلة التعامل العضوي مع الجانب العربي وهو في حال تمزق ، لإخضاعه لأهداف هذا الكيان الإستراتيجية التوسعية ذات البعد المائي ، فاستولي علي المياه العربية وفق ذلك.

          وقد وعي الفلسطينيون أن احتلال الأراضي مرتبط باحتلال المياه واستغلالها ، لذلك كانت ردود فعلهم العسكرية الأولي ضد الاحتلال حول المشاريع المائية الإسرائيلية المقامة علي أراضهم المحتلة ، كعملية نسف خزان مياه إسرائيلي قرب الفالوجة في عام 1955م ، وعملية عليبون ضد الإجراءات الاسرائيلية لتحويل مياه نهر الأردن.

       ومن ناحية أخري نلاحظ في دراسة قدمت لمجلس الشورى المصري – أعدتها لجنة الشئون العربية والخارجية والأمن القومي بالمجلس – عد مشكلة نقص المياه احدي العقبات والتحديات التي تواجه الأمن القومي العربي ، وإنما ستكون محورا للخلافات والمواجهات المقبلة . فالدول العربية لم تستثمر موارد المياه المتاحة لديها بشكل فعال ، والدولة الوحيدة التي تفعل ذلك في المنطقة هي الكيان الإسرائيلي حيث استولي علي مصادر المياه العربية في الضفة الغربية والجولان وحول مياه نهر الأردن ونهي الليطاني ، وهو يتطلع باستمرار نحو مصادر مياه عربية جديدة. لذلك فالإجراءات التي يجب أن تتخذ لحماية الأمن القومي العربي يجب أن تمثل تصرفا جماعيا من جانب الدول العربية متضامنة ، لرد أي تهديد لأمنها القومي بأية صورة من الصور ، لا أن تركز كل دولة علي أمنها الوطني كوحدة متميزة بين الدول ، فالأمن القومي العربي كل واحد لا يتجزأ برغم ما واجهه من عوامل التفكك.

 

لقد أثار الكيان الإسرائيلي ومازال هاجس الأمن المائي العربي – الذي هو جزء لا يتجزأ من الأمن القومي العربي – ولكنه لم يتبع أسلوب المواجهة المباشرة مع العرب في هذا الشأن لعدة أسباب منها

(أ) أن هذا الكيان يشارك في بعض أحواض الأنهار العربية – بشكل مباشر أو غير مباشر – مع أطراف عربية لا تزال في حالة حرب معه.

(ب) أن القدرة العربية علي الردع لا تزال فعالة في مجال الأمن المائي بحكم مرور مسافة طويلة من الأنهار بأراضيه ، ولعلاقته القوية بدول الجوار ، وبالتالي يصعب استخدام هذه الورقة لتهديد العرب بشكل مباشر في أية مواجهة قادمة.

(جـ) أن دول الجوار الاستراتيجي – أثيوبيا ، تركيا – وان كانت أهدافها الاستراتيجة تختلف مع الدول العربية المشاركة في أحواض الأنهار. إلا أن ما يربطها بهذه الدول أقوي مما يربطها بالكيان الإسرائيلي من علاقات جوار ومصالح حيوية وامن متبادل.

                       لذلك ابتعد الكيان الإسرائيلي من سياسة المواجهة المباشرة إلي استخدام أسلوب الحرب الباردة طويلة الأمد ضد العرب ، والتي لم تتضح خطورتها إلا في السنوات الأخيرة باستخدامه للدول الاخري المشاركة في أحواض الأنهار العربية كخط هجوم متقدم ضد الدول العربية – حرب الإنابة – حيث تقوم دولة الجوار الاستراتيجي بإتباع استراتيجيات تتفق مع ما يطالب به الكيان الإسرائيلي تحت ستار مصالحها القومية وخططها التنموية

ويتبع الكيان الإسرائيلي في سياسة الحرب المائية الباردة ضد العرب الأساليب التالية  :

(أ) الإشعار الدائم والمستمر لدول الجوار بالاستخدام العربي المسرف للموارد المائية ، مما يثير حفيظة هذه الدول ويدفعها لمحاولة إعاقة اندفاع المياه للدول العربية.

(ب) المحولة المستمرة لاستخدام ورقة الهاجس المائي لدي دول الأحواض العربية ، إجبار دول عربية لاتزال في حالة حرب مع الكيان الإسرائيلي للجلوس علي مائدة المفاوضات المباشرة معه.

(جـ) استخدام الكيان الإسرائيلي للمساعدات والخبرة الفنية في تقنية توفير المياه والمحافظة عليها ، وتقديمها للدول المجاورة للعالم العربي لتقليل اندفاع المياه للدول العربية المشتركة في نفس الحوض النهري ، وفي ذلك يستخدم الكيان الإسرائيلي مساعداته المباشرة أو المساعدات الأمريكية لبعض هذه الدول. ولعل هذا يفسر سبب سيطرة الشركات الأمريكية والغربية علي جملة مشاريع الري في هذه الدول ، وسبب العناية الخاصة التي يوليها الكيان الإسرائيلي للأبحاث العلمية الخاصة بموارد المياه.

 لكن بالرغم هذا الطرح إلا أننا بالنسبة لموضوع دراستنا نري بعدا في الربط بين مصطلح الأمن القومي العربي من جهة والمياه في المنطقة من جهة أخري ، وعدم جعل  الأمن المائي بالتالي احد جوانب الأمن القومي العربي ، ويعود عد الربط هذا لغياب سياسة عربية مائية واضحة المعالم بسبب الخلافات العربية ، وما ينشأ عنها من تفكك عربي ليس له القدرة علي إتباع تلك السياسة في مواجهة التهديدات الاسرائيلية ، ولذلك لابد من إبراز مصطلح الأمن المائي العربي في الفكر السياسي والاستراتيجي والقومي العربي ، لان أزمة نقص المياه تعد احد أهم الإخطار التي تواجه الأمن القومي العربي ، والتي نأمل إلا تتحول إلي مشكلة تبعية مائية.

* ثانيا : المياه في الأمن القومي الاسرائيلى

إن الأمن القومي قضية وجود ، وبالنسبة للكيان الإسرائيلي هو مسألة وجود شامل يمس صميم الوجود المادي لكل فرد ، فالأمن القومي كمفهوم عالمي هو قضية نسبية يتعلق بالمحافظة علي السيادة القومية ، إما بالنسبة لهذا الكيان فهو ليس عنصرا نسبيا بل مطلق لان وجوده المادي متوقف عليه.ومن الصعوبة وصف التجمع الإسرائيلي بالقومية ، وذلك لان الإسرائيليين لا يشكلون قومية بالمعني الذي تواتر استخدامه في الفكر والنظرية السياسية وفي العمل السياسي ، فالقومية مصطلح يطلق علي مجموعة من الشعوب التي اكتملت لديها عناصر الاندماج ، ووحدة الهوية ، ووضوح الهدف ، فضلا عن الاستقرار مدة طويلة في إقليم يشعرون نحوه بالولاء والانتماء ، وهذه العناصر في جملتها تغيب عن المجتمع الإسرائيلي.

ولكننا في هذه الدراسة سنستخدم مصطلح "قومي" لوصف امن هذا الكيان لأنه يدلل علي الجانب الأمني الداخلي والخارجي له ، ولان استخدامنا لمصطلح الأمن فقد يدلل عل الأمن الداخلي. وقد عرف العقيد الإسرائيلي ايلون الأمن القومي بأنه : "محصلة الاتصالات المتبادلة لدولة مع بنيتها القريبة والبعيدة التي تعكس قوتها ، واستعدادها ، ووسيلتها ، وقدرتها التنفيذية علي الدفاع عن مصالحها الحيوية ، وتحقيق غايتها ، وأهدافها القومية". والذي يتضح منه النزعة المتطرفة لسياسة الأمن الإسرائيلي القائمة ، التي تقوم علي حشد الإمكانات في مختلف مجالات القوة ، والوسائل والقدرات بهدف تنفيذ الدفاع عن مصالح الكيان الإسرائيلي الحيوية وتحقيق غاياته واهدافة القومية.

من جانب أخر نجد إن الإستراتيجية الاسرائيلية تقوم علي عدد من العناصر ترتبط ببعضها ارتباطا عضويا لتشكل تحديا خطرا علي الأمن القومي العربي ، ومن أهم هذه العناصر عنصر الأمن ، لان المفهوم الإسرائيلي للأمن هو مفهوم خاص بالكيان الإسرائيلي ذو الطبيعة الاستيطانية ، والقائم علي عقيدة التوسع بجانبيها الأفقي والرأسي ، فالتوسع الأفقي يحقق للكيان الإسرائيلي أكثر من هدف ، فهو يوفر أولا عمقا جغرافيا للدفاع عنه أثناء معاركه مع العرب ، ويوفر ثانيا المياه الضرورية لهذا الكيان الذي يعاني من أزمة حادة فيها ، وثالثا يمده بمصادر جديدة للثروة والمواد الغذائية خاصة في الضفة الغربية ولبنان. أما التوسع الرأسي فهو التوسع العسكري بما يحقق التفوق الكمي والنوعي للكيان الإسرائيلي علي الدول العربية مجتمعة

وبالتالي نجد أن قضايا المياه دخلت إلي مرحلة محورية في الأمن القومي للكيان الإسرائيلي ، تحولت عملية توفير الموارد المائية إلي مسألة قومية ترتبط بأهداف وجود وغايات هذا الكيان ، وتحولت مشروعاته إلي مشروعات ذات صفة قومية ، وأصبح الأمن القومي للكيان الإسرائيلي يرتبط بالسيطرة علي المياه في المنطقة واستثمارها .فبعد حرب عام 1967م ظهر في الفكر الاستراتيجي الإسرائيلي مفهوم الحدود الآمنة الذي يرتبط في احد أبعاده بمفهوم الحدود الطبيعية ، التي ترتكز علي عمق إقليمي وعقبات طبيعية مثل المياه والجبال ...الخ  مما دلل علي الارتباط بين قضايا المياه وقضايا الأمن القومي للكيان الإسرائيلي في أبعادها الإستراتيجية والاقتصادية.

إن الفجوة المائية في الأمن القومي للكيان الإسرائيلي فجوة مهمة ، لأنها تتعلق بالعمود الفقري لنظرية الأمن الإسرائيلي "الهجرة" ، فالهجرة تحتاج إلي الأرض ، والأرض تحتاج إلي المياه ، والمياه تحول رجال العمال إلي فلاحين مرتبطين بالأرض وتعمق فيهم روح الانتماء . وبالتالي فالطموحات الاسرائيلية  الهادفة لزيادة الهجرة اليهودية إلي ارض فلسطين لا يمكن أن تتم دون تخطيط مسبق ، يأخذ في الحسبان ضرورة توفير المصادر المائية اللازمة لتوفير الغذاء لمئات الألوف من المهاجرين القادمين ، فالحصول علي مصادر مائية إضافية ليس ترفا بالمفهوم الإسرائيلي بل هو ضرورة لازمة لاكتمال المشروع الصهيوني بالبقاء والسيطرة علي فلسطين  

إن الكيان الإسرائيلي عندما يبحث على حل لمشاكله المائية سوف تتجه أنظاره خارج حدوده ، مما يجعل البحث عن المياه سببا لممارسات سياسية وعسكرية لهذا الكيان ربما تختلف من شكل لأخر ، ولكنها تظل محكومة بذات الدوافع الأولية التي أدت إلي إقامته "دوافع الاستيطان العنصري والتوسع الإقليمي".

من ناحية أخري ، فالأطماع الصهيونية التي قد تبدو ذات طابع اقتصادي والمتعلقة بالحصول علي  "ما تسميه حقوقها" من مياه انهار الأردن والليطاني والنيل ، لا تستمد شرعيتها و مبرراتها لدي قادة الكيان الإسرائيلي من فائدتها الاقتصادية ، وإنما من الإغراض الاستيطانية التي تتطلب أعمار النقب والمناطق الصحراوية في فلسطين المحتلة ، فطبقا لمعدلات النمو الطبيعية للسكان داخل الكيان الاسرايلي لا توجد مشكلة مياه ملحة ، ولكن حين نضع في الحسبان الهدف الصهيوني باستيعاب وتوطين ثلاثة ملايين مهاجر حتى عام 2000م – طبقا لقرارات الدورة التاسعة والعشرين للمنظمة الصهيونية العالمية – بحيث يتجاوز سكان الكيان الإسرائيلي ، ستة ملايين نسمة ذلك العام ، فان مشكلة المياه بإبعادها الاستيطانية الاستعمارية أساسا ، الاقتصادية هامشيا ، تصبح أكثر وضوحا وعلاقة بالأمن القومي للكيان الإسرائيلي. فالخط الأحمر الذي وضعه الكيان الإسرائيلي لمسألة المياه ، لا يقل خطورة عما يمكن أن يؤدي إليه تحريك قوات أو أسلحة إلي مناطق منزوعة السلاح ، حيث عد هذا الكيان المياه موردا استراتيجيا من الدرجة الأولي ، وعد أي تهديد لمصادر المياه مؤديا إلي استنفار الجيش .  مما سبق نجد إن هناك علاقة طردية بين تحقيق الأمن القومي للكيان الإسرائيلي من جهة ، وبين سيطرته ثم تحكمه في مصادر المياه في المنطقة من جهة أخري ، لان ذلك يحقق له أهدافه الإستراتيجية والقومية التي من أهمها :

1- دعم هذا الكيان واقتصادياته وتوجهاته الاستعمارية والاستيطانية.

2- زيادة معدلات الهجرة اليهودية إلي فلسطين ، وبالتالي خلق دعم بشري مستمر للقوة العسكرية الصهيونية.

3- خلق ظروف جغرافية وبشرية في المنطقة تهدف إلي تثبيت الوجود الصهيوني في فلسطين ، صناعيا ، وعسكريا ، وامنيا ، مما يسهل له مواصلة احتلاله للأراضي العربية.

4- إن هذا التوجه العدواني بالسيطرة علي مصادر المياه ، يوضح نية هذا الكيان للتمسك بالأراضي التي يحتلها ، وعدم سعيه لإيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية .

5- ترسيخ الثقة بالكيان الصهيوني في أذهان اليهود ، وإظهار قدرته علي تحقيق أهدافه وأفكاره ومشاريعه.

6- إضعاف الدول العربية المجاورة اقتصاديا وسياسيا و اجتماعيا.

وقد اتبع الكيان الإسرائيلي من اجل الوصول إلي هذه الأهداف بشكل عام ، وتحقيق سيطرته علي مصادر المياه بشكل خاص ، كافة الوسائل المشروعة وغير المشروعة مثل :

- استمرار إقناع الرأي العام العالمي بأنه يواجه أزمة مياه مستمرة.

- استغلال نفوذه لدي الدول الغربية والمنظمات الصهيونية وغير الصهيونية الموالية له لتحقيق هذا الحلم.

- استمرار تنمية قدراته العسكرية من اجل ردع الدول الاخري لتحقيق أهدافه.

- دعم فرقة الصف العربي وخلق جو من التفكك ، ودعم حركات التمرد والانفصال في المنطقة.

- التوسع في إنشاء المستوطنات من اجل مزيد من الحقوق المائية في المنطقة.

- استغلال نفوذ الولايات المتحدة في المنطقة من اجل عقد اتفاقات مشتركة مع دول المنطقة ، لتحديد وتوجيه سياسة استخدام المياه في المنطقة.

- أن هذا الكيان يعمل بدعم أمريكي علي تنفيذ شبكة مياه تربط الدول المحيطة به (سوريا ، لبنان ، الأردن) ، وذلك لتطوير مصادر المياه في المنطقة.

       من جانب أخر فقد انتهج هذا الكيان للحصول علي المياه داخل الأراضي الفلسطينية سياسة مائية تمثلت في الأساليب التالية  : 

(أ) السيطرة علي مصادر المياه الجارية كنهر الليطاني ونهر الأردن.

(ب) الاستفادة من المياه الجوفية داخل أراضي فلسطين المحتلة.

(جـ) سحب المياه من البحيرات داخل فلسطين كبحيرة الحولة وبحيرة طبرية.

(د) تخطيط وتنفيذ وإقامة مشاريع لنقل المياه من مصادرها إلي الأماكن التي لا توجد بها مياه داخل فلسطين المحتلة.

(هـ) إقامة مشاريع لجمع مياه الإمطار وخزنها كمشروع (شكما) ومشروع (وادي نشمه) ، والقيام بجمع مياه الوديان في منطقة معينة ثم ضخها إلي مناطق أخري ، لتتغلغل المياه داخل التربة ليعاد سحبها من جديد بواسطة الآبار الارتوازية.

(و) إقامة مشاريع لتكرير مياه المجاري وإعادة استعمالها.

(ز) إقامة مشاريع لتحليه مياه البحر في (إيلات) ، ومشاريع لتحليه المياه الجوفية.

(ح) زرع الغيوم وإنزال الأمطار منها بإسقاط مادة مبردة عليها من الطائرات ، وتحويل اتجاه الغيوم نحو بحيرة طبرية لزيادة كمية الأمطار فوق البحيرة.

(ط) استهلاك المياه المالحة في الأغراض الزراعية وتربية الأسماك والصناعة.

(ى) إقامة أجهزة وهيئات حكومية للإشراف علي المياه ، وتوزيعها ، والحفاظ علي مصادرها ، ورسم السياسة المائية العامة للدولة.

(ك) التفكير والتخطيط والتنفيذ الجاد ، وفرض الأمر الواقع.

مما سبق نجد أن هناك ربطا واضحا وقويا بين مفهوم الأمن القومي للكيان الإسرائيلي من جهة وبين أهمية المياه له من جهة أخري ، واتضح ذلك في الفكر والتنظير ثم في التطبيق الإسرائيلي لإستراتيجيته المائية ، والذي كان له انعكاساته الايجابية في استغلال هذا الكيان لكل قطرة ماء مالحة لصالحه ولصالح مستوطنيه.

ثالثا : التنسيق المائي الإسرائيلي ـ الإقليمي:

يستهلك الإسرائيليون جميع مياه الأنظمة المائية في الأراضي الفلسطينية، وقدرت بعض الدراسات أن ما يستهلكه الإسرائيليون قد بلغ 2460 مليون م3 ، وما زالت إسرائيل ترى أنها في حاجة إلى المزيد من المياه لري المزيد من الأراضي وإسكان المزيد من المهاجرين وتحقيق الرفاهية لهم، لذلك أخذت تتطلع إلى الحصول على المياه من أماكن بعيدة خارج الحدود خصوصاً وأن الظروف والمعطيات الحالية لا تشير إلى إمكانية حصول إسرائيل على المياه من نهر النيل أو الفرات حسب مخططاتها القديمة، ولذلك اتجهت لتأمين حاجاتها المائية من خلال التنسيق مع دول تتمتع بموارد مائية كبيرة، ووجدت ضالتها في تركيا.

فتركيا كانت محط أنظار الحركة الصهيونية منذ بدء التفكير في إنشاء وطن قوي لليهود، حيث جرت العديد من المراسلات بين هرتزل والسلطان عبد الحميد تم خلالها عرض المساعدة المالية للدولة العثمانية مقابل منحها فلسطين، ورفضت هذه المطالب في حينها، كما لعبت الحركة الصهيونية دوراً كبيراً في الأحداث التي جرت في تركيا بعد الحرب العالمية الأولى، ودعمها لجماعة الاتحاد والترقي وغيرها ما أدى في النهاية إلى صعود نجم كمال أتاتورك الذي قام بإلغاء الخلافة الإسلامية وتحويل تركيا إلى دولة علمانية عام 1924، وبدأت تركيا بعدها في الابتعاد عن العالم الإسلامي والتقرب إلى الغرب طمعاً في مساعداتهم لدرجة أنها كانت أول دولة إسلامية تعترف بإسرائيل عام 1949، وربطتها بإسرائيل علاقات قوية، وقد زادت أهمية تركيا في نظر الغرب خصوصاً الولايات المتحدة منذ عام 1979 بعد قيام الثورة الإيرانية، حيث حاولت الولايات المتحدة تشكيل حلف إقليمي تركي ـ إسرائيلي لمواجهة حركة التحرر الوطني في المنطقة العربية،

وفي ضوء هذه العلاقة جاء التعاون التركي ـ الإسرائيلي الحالي ليدخل مرحلة جديدة من مراحل العلاقات التركية ـ الإسرائيلية، ومع هذه العلاقة بدأت إسرائيل تسعى لإيجاد الحلول لأزماتها المائية المتوقعة بإقامة مشاريع بديلة عن الاتفاقات مع سوريا أو العراق، وفي خضم هذه العلاقة قام الرئيس التركي تورجوت أوزال عام 1987 بزيارة إلى الولايات المتحدة عرض خلالها استغلال المياه التركية عبر مشروع سمي في حينه مشروع أنابيب السلام تنقل بموجبه المياه من تركيا عبر أنبوبين، أنبوب غربي يمتد من تركيا إلى سوريا ولبنان وإسرائيل بطول 2700 كلم وبقطر 4.3 متر، وأنبوب شرقي يمتد إلى دول الخليج العربي بطول 3900 كلم، وينقل الأنبوبان مياه نهري سيحون وجيحون الذي يصل تصريفهما إلى 29.77 مليون م3 يومياً 

وقد لاقى هذا المشروع ترحيباً أمريكياً للأسباب التالية:-

1- المساهمة في إمداد إسرائيل بالمياه.

 2- تقوية الموقف التركي في ترتيبات الشرق الأوسط.

 3- إتاحة الفرصة للشركات الأمريكية للاطلاع بدور رئيس في مثل هذه المشاريع التي يتوقع أن تكلف 20 مليار دولار.

إلا أن هذه المشاريع لم يتم تنفيذها لارتفاع تكاليف الإنشاء أولاً، ثم المشكلات الفنية أو الطبوغرافية، واعتراض كل من العراق وسوريا على هذه المشاريع ثانياً، وما زالت إسرائيل ترى إمكانية استيراد المياه من تركيا، حيث تواصل وزارة الخارجية الإسرائيلية إجراء دراسات الجدوى الاقتصادية من وراء هذه المشاريع. (1)

 

التنسيق الإسرائيلي الأثيوبي حول مياه نهر النيل:

استغلت إسرائيل تقاربها مع أثيوبيا في عهد الإمبراطور هيلاسيلاسي وقامت بتوظيف هذه العلاقة من أجل تهديد مصر من زاوية المياه، لأن 85% من احتياجات مصر المائية تنبع من أثيوبيا، حيث بلغت حصة مصر من مياه النيل 55.5 مليار م3 ارتفعت إلى 70 مليار م3 عام 2000، ما شكل عجزاً مائياً بمقدار 14.5 مليار م3، أما السودان فحصتها 18.5 مليار م3، وتهدف السودان إلى زيادة مساحة الرقعة الزراعية من 4.5 مليون فدان إلى 9 مليون فدان، وهذا يحتاج إلى 14.8 مليار م3، وبذلك يكون العجز المائي عند مصر والسودان 38 مليار م3 من المياه، وهذه الكمية لا يمكن تدبيرها إلا بعد الانتهاء من مشروعات أعالي النيل التي تتولاها مصر والسودان معاً.

 وتلعب إسرائيل من خلال علاقتها مع أثيوبيا والدول الأفريقية في حوض النيل دوراً تحريضياً ضد مصر والسودان، بحجة أنهما تستهلكان كميات كبيرة من المياه دون الحاجة إليها على حساب الدول الأخرى وفي ضوء هذا التحريض سيطرت الشركات الأمريكية والإسرائيلية على معظم المشاريع المائية في المنطقة، وتولت الأبحاث العلمية الخاصة بموارد المياه، وأسفرت العلاقات الأثيوبية الإسرائيلية عن تهجير أعداد كبيرة من يهود الفلاشا، كما قامت إسرائيل بإنشاء ثلاثة سدود مائية كجزء من برنامج أمثل يستهدف بناء 26 سداً على النيل الأزرق لري 400 ألف هكتار، وإنتاج 38 مليار كيلو وات ساعة من الكهرباء، وهذه المشاريع ستحرم مصر من 5 مليار م3 من المياه .

كما قامت إسرائيل ببناء سد على منشأ أحد فروع النيل الأزرق الذي يمد النيل بحوالي 75% من المياه لحجز نصف مليار م3 من المياه مقابل قيام أثيوبيا بتسهيلات لإسرائيل في جزيرة دهلك وفاتيما لإقامة قواعد عسكرية فيها، تحولت إسرائيل بعدها إلى أرتيريا لقربها من باب المندب، كما بدأت أثيوبيا ترفع دعاوى إعادة توزيع مياه نهر النيل وفق مبدأ عدالة التوزيع، كما أنها لم تشترك حتى الآن في مجموعة الأندوجو الخاصة بالاستفادة من مياه نهر النيل.

انعكاسات الأطماع المائية الإسرائيلية على الأمن القَومِي العربي:

أولاً: على المستوى السياسي، والوضع الجيوستراتيجي:

 1- على المستوى السياسي:

 إن الأطماع الإسرائيلية في المياه العربية هي جزءٌ من مخططاتِها لبناء دولتها الكبرى من النيل إلى الفُرَات، وحماية أمنها القَومِي من أي تهديدات عربية، كما أن هذه الأطماع هي شكلٌ آخر من أشكالِ الصراعِ العربي الإسرائيلي، فالمخطَّطات التي وضعها الاستعمار الغربي للمنطقة العربية يتم تنفيذُها حاليًّا من قِبَل إسرائيل خطوةً خطوةً؛ لتجزئة المنطقة العربية، وبَلْقَنَتِها، والاستيلاء على كل مصادر المياه العربية، في كل من: سوريان والأُرْدُن، والأراضي الفِلَسطِينية المحتلَّة، وجنوب لبنان، مما سيمنع من قيام أي مشروع نَهْضَوِي سياسي عربي ضد الأمن القَومِي لإسرائيل، وبالتالي سيكون التحكم الإسرائيلي ورقةَ ضغطٍ رابحةٍ لإسرائيل؛ لفرض سياسة الأمر الواقع تُجَاه الدول العربية؛ لفرض تسويات سلمية تضمن حمايةَ الأمن القَومِي الإسرائيلي على حساب الأمن القَومِي العربي.

ويمكن أن نحدِّد بصفة عامة انعكاساتِ الأطماع الإسرائيلية في المياه العربية على الأمن القَومِي العربي من الناحية السياسية في النقاط التالية:

  • تجزئة الدول العربية، وبَلْقَنة الوطن العربي.
  • تمكين الدولة اليهودية من التكامُل.
  • تفجير النظام القَومِي العربي، ومن ثَمَّ فقْد الجامعة العربية طبيعتَها القَومِية.

2- الوضع الجيوستراتيجي:

يمكن القول: إن سيطرة إسرائيل على المياه الإقليمية العربية سيمنحها دورًا رِيَاديًّا إقليميًّا مستقبلاً، تتحكم وحدها في الوضع الجيوسياسي لمِنْطَقة الشرق الأوسط، وإثارة الخلافات والمشاكل العربية، بَدْءًا بجر العرب إلى الاحتكاك، والتوتر، والتهديد باستخدام العنف، وانتهاءً بالصراع العسكري المسلَّح؛ وذلك للحيلولة دون قيام تعاون عربيٍّ - عربيٍّ مشترك في الأمن القَومِي العربي، هذا الوضع المحتَمَل سيغيِّر الخريطةَ الجيوستراتيجية في مِنْطَقة الشرق الأوسط لصالح إسرائيل، ونُشُوب مشاكل حدودية وإقليمية؛ وبالتالي إمكانية خلق دُوَيلات طائفية وعِرْقِية تهدِّد استقرارَ العالم العربي، وتستغلها إسرائيل لإقامة علاقاتِ تَطْبِيع معها بين الدول العربية.

ثانيًا: على المستوى الاقتصادي والمائي:

أدَّت الإطماع الإسرائيلية في المياه العربية إلى تحكُّم إسرائيل في كميات المياه المسموح بها لسكان العرب؛ فقد اتَّخذت إجراءات لضبط عملية استخراج المياه من الآبار الإرتوازية، عبر منع سكان الضفة الغربية من حفر آبار جديدة، بقصد استخدام مياهها في الري والشرب، وإجبار العرب على تركيب عدَّادات على آبارهم؛ مما أعطى لإسرائيل حفر هذه الآبار بشكل أعمق، الشيء الذي أثَّر على مستوى المياه في الآبار العربية، ونُضُوب بعضها.

وهكذا حقَّقت الأطماع الإسرائيلية في المياه العربية أهدافَها بزَعْزَعَة الأمن المائي العربي، حيث تضرَّر من الجفاف والتصحُّر الذي يَكَاد يَغْزُو أرجاء الوطن العربي ككلٍّ، إضافة إلى تلُّوث مياه الأنهار العربية في حوض النيل والرافدين، كما أدَّت الاتفاقية المائية الإسرائيلية المُبْرَمة مع الأُرْدُن في وادي عربة عام 1994 إلى تحكُّم إسرائيل في مياه نهر الأُرْدُن، ومنعِ أيِّ مشروعٍ مائيٍّ وزراعيٍّ بين الدول العربية، الأمر الذي أدَّى إلى قيام أزمة الغِذَاء، وانخفاض الإنتاج الزراعي، وازدياد الطلب المحلي على الأغذية، مع ارتفاع كبير في الإنفاق العام لاستيراد الغذاء من الخارج، أمام تصاعد في عدد السكان؛ كل هذا نتيجة غياب إستراتيجية مائية عربية مشتركة لحماية الموارد المائية من الأطماع والتوسعات الإسرائيلية، كما أن الاتفاقيات الاقتصادية المتعلِّقة بإقامة سوق اقتصادية عربية مشتركة لا تَزَال غير مفعَّلة لبناء أمن اقتصادي ومائي عربي لسد حاجيات سكان الوطن العربي.

رابعا : مستقبل المياه في المنطقة العربية:

 يرى الكثير من الدارسين والسياسيين، أن المياه سوف تكون محور الصراع القادم في منطقة الشرق الأوسط، ومن بين الجهات التي تعنى بهذا الأمر الاستخبارات الأمريكية التي لمست الخطر المائي منذ زمن عندما حددت عشر مناطق مرشحة لأن تكون مناطق صراع حول المياه، ويقف الشرق الأوسط في مقدمة هذه المناطق إذ قد تشتعل فيه حروب المياه في المستقبل القريب ، ويرجع ذلك إلى مظاهر الجفاف التي حلت بالمنطقة وتدني كمية الأمطار وتزايد أعداد السكان وبالتالي زيادة متطلباتهم المائية بالإضافة إلى اعتماد منطقة الشرق الأوسط في تلبية متطلباتها المائية على ثلاثة أنظمة مائية هي:  نهر دجلة والفرات، ونهر النيل، وأنظمة نهر الأردن وروافده، بالإضافة إلى أنهار كالعاصي والليطاني، ولما كانت هذه الأنهار جميعاً أنهاراً دولية ما عدا نهر الليطاني، تستفيد منها أكثر من دولة عربية وغير عربية

فسوف يحتدم الصراع وخصوصاً وأن إسرائيل العدو الأول للعرب بدأت تلعب دوراً في هذا الصراع طمعاً في الحصول على نصيب من هذه الأنهار بالتحريض ضد الدول العربية المستفيدة من هذه الأنهار وخلق المشاكل المائية لها، ما يهدد استقرارها وأمنها كما هو الحال في سوريا والعراق ومصر والسودان، وذلك من أجل رضوخ هذه الدول لأطماعها والتغلغل في المنطقة العربية لتحقيق أطماعها التوسعية وقد رأينا في معرض تناولنا للأطماع الإسرائيلية في المياه العربية كيف استطاعت إسرائيل أن تستغل كل النظام المائي في فلسطين، وكيف أنها مدت أطماعها إلى كل من حقوق سوريا والأردن في مياه نهر الأردن وروافده، بالإضافة إلى توجهاتها وأطماعها تجاه المياه اللبنانية.

 أما مياه نهر النيل فإن إسرائيل وجدت نفسها غير قادرة من الناحية اللوجستية والطبوغرافية على جر مياه النهر إليها، إلا من خلال تنسيق إقليمي واتفاقات مع مصر لهذا الغرض وخاصة أن جهودها في التأثير على مصر عبر تنسيقها مع أثيوبيا والتي دفعتها لإقامة بعض المشاريع المائية بهدف تهديد الأمن القومي المصري والسوداني، بالإضافة إلى بروز الدعوات الأثيوبية في المؤتمرات واللقاءات الأفريقية بضرورة إعادة توزيع مياه نهر النيل على أساس من العدل ورفضها الانضمام إلى جماعة الأندوجو للاستفادة من مياه نهر النيل

وبالطبع جميع إجراءات التحريض التي تدخل في سياق الحرب الباردة التي تخوضها إسرائيل مع مصر   إن هذه المحاولات الإسرائيلية قد باءت بالفشل حتى الآن للأسباب التالية:

1- عدم تأثير المشاريع الأثيوبية للاستفادة من مياه نهر النيل على المياه الذاهبة إلى مصر، فعلى سبيل المثال إن كمية المياه المختزنة في سدين على النيل الأزرق أحد الروافد الرئيسية لنهر النيل يبلغ 92 مليون م3 سنوياً وهذا يعادل تصريف مدينة القاهرة في يوم واحد.

 2- التكلفة الباهظة التي ستتكلفها أثيوبيا لإقامة السدود بسبب العوامل الفنية الناجمة عن الانحدار الشديد لهضبة الحبشة تجاه الغرب.

 لهذا فإن إسرائيل تتجه إلى محاولة جر مياه النهر إلى سيناء ومن ثم إلى النقب عبر قناة مائية تمر أسفل قناة السويس ومنطق إسرائيل يوضحه خبير المياه الإسرائيلي أليشع كالي في كتابه "المياه والسلام"، حيث يقول:  "إن المنطق الأساسي في فكرة هذا المشروع هو أن كميات ضئيلة بالمقياس المصري ـ نحو نصف في المائة من الاستهلاك ـ لا تشكل عنصراً مهماً في الميزان المائي المصري وغير مستهلكة اليوم ويمكن نقلها بصورة مجدية اقتصادياً في اتجاه الشمال أي إلى إسرائيل"، ويعتقد كالي أن تكاليف نقل المياه من النيل إلى النقب أرخص بكثير من نقلها من طبريا إلى النقب، ما يوفر على إسرائيل ملايين الدولارات ويمكنها من ري 2.16 مليون دونم واستيعاب المزيد من المهاجرين اليهود إلا أن تنفيذ مثل هذه الاقتراحات مرهون  بالأوضاع السياسية في المنطقة وتطوراتها.

 وتبقى المشكلة الكبرى هي المشكلة القائمة بين كل من تركيا من جهة والعراق وسوريا من جهة أخرى حول مياه دجلة والفرات، حيث بدأت تركيا تدرك أهمية المياه كسلاح للضغط السياسي كما بدأت تدرك أن المياه مورد اقتصادي لا يقل أهمية عن النفط العربي، ولهذا بدأت تبحث عن مسوغات قانونية لاستغلال مياه دجلة والفرات فخرجت بقوانين غريبة اعتبرت فيها أن أنهار دجلة والفرات أنهاراً عابرة للحدود، وذلك في مخالفة للقانون الدولي للأنهار الذي يعتبرها أنهاراً دولية إذ لا يوجد شيء في القانون الدولي اسمه أنهار عابرة للحدود، وبموجب القانون التركي هذا اعتبرت تركيا أن مياه نهر الفرات هي مياه مملوكة للدولة لها كل الحق في التصرف فيها منكرة بذلك الحق التاريخي المكتسب منذ آلاف السنين لكل من العراق وسوريا، وبدأت تركيا بتخطيط وتنفيذ عدد من المشاريع المائية على نهر دجلة والفرات ومن شأن هذه المشاريع تخزين كميات كبيرة من المياه تصل إلى 90 مليار م3، في حين أن الكمية التي يمكن تخزينها في السدود السورية تصل إلى  16 مليار م3، والسدود العراقية 12 مليار م3، أي أن كمية التخزين التركية تصل إلى ثلاثة أضعاف كمية التخزين السورية والعراقية.  ومن أكبر المشاريع التركية مشروع جنوب شرق الأناضول "غاب" الذي سيرفع كمية المياه التي تحصل عليها تركيا من نهر الفرات من 10% إلى 53% من أصل تصريف النهر البالغة 31.4 مليار م3، هذا يعني فقدان سوريا لـ 40% من كمية المياه الواردة إليها وفقدان العراق 80% من كمية المياه التي يتلقاها. ما يلحق أضراراً كبيرة بالبلدان العربية في الوقت الذي تعاني فيه من الجفاف وقلة الأمطار وزيادة السكان، وبالتالي زيادة متطلباتها المائية. وفي الوقت الذي تقوم فيه تركيا بحرمان البلاد العربية من حقها التاريخي في المياه، تقوم بمحاولة تسويق هذه المياه تحت اسم مشروع أنابيب السلام لصالح إسرائيل وبتشجيع أمريكي.

الخاتمة

إن مستقبل المياه العربية ينذر بالخطر، ففي دراسة للبنك الدولي يتوقع أن يرتفع الطلب على المياه في الوطن العربي من 212.277 مليار م3 من المياه عام 1985 إلى 301.501 مليار م3 عام 2030، لزيادة عدد السكان وزيادة المتطلبات المائية للغذاء والصناعة، وأياً كانت التوقعات فإنه من الضروري للدول العربية أن تأخذ مسألة المياه مأخذ الجد من الآن فصاعداً، لأنها تمس حياة الإنسان العربي وتجعله عرضة لأطماع الدول الأجنبية التي لم تنته منذ عهود الاستعمار وفي ضوء ذلك فإننا نرى:-

  1- لابد من تبني إستراتيجية مائية عربية تأخذ في اعتبارها البعد القومي لهذه القضية وذلك من خلال تجاوز الخلافات العربية العربية على الأصعدة السياسية، والتوجه للعمل العربي المشترك بما يخدم المواطن العربي ويؤمن مستقبله. وكذلك من خلال التركيز على مسألة المياه عند إعادة هيكله الجامعة العربية وذلك بإنشاء هيئة عربية للمياه تطلع بمسائل المياه، من حيث الدراسات والأبحاث واقتراح المشاريع المختلفة التي تخدم الشعوب العربية واستغلال مواردهم المائية استغلالاً أمثل.

 2- محاولة احتواء المشكلات التركية العراقية السورية من خلال عمل جماعي عربي وبنظرة جيدة إلى المصالح المشتركة العربية التركية والعلاقات التاريخية بين الشعب التركي والشعوب العربية.

3-عند تناول ملف المياه في المفاوضات مع إسرائيل لابد من الاستناد إلى أحكام القانون الدولي في هذا المجال.

  نتائج الدراسة :

في ضؤء الدراسة التحليلية لقضايا المياه بين الامن القومى العبى والامن القومى الاسرائيلى  توصلت الدراسة إلى إثبات النتائج التالية في ضؤء فروض الدراسة حيث تم التوصل إلى التالي :

1 - إن أزمة المياه تعد احدي الأزمات الرئيسية التي بدأت في الظهور علي السطح في المنطقة موضع الدراسة .

2 - إن هناك اهتمام من الأطراف المتناقضة في المنطقة بالمياه والسيطرة عليها ، وان هذا الاهتمام يتزايد مع الوقت.

3 - إن المياه تعد مهمة بالنسبة للفكر والأمن والإستراتيجية الإسرائيلية ، لان السيطرة علي المياه كانت ولازالت من أهم الأهداف التي يضعها هذا الكيان لتحويل الحلم الصهيوني بإقامة "دولته الكبرى" الي واقع مادي في المنطقة العربية ، حيث ارتبطت المياه طرديا بتحقيق أهم المرتكزات الأساسية لهذا الكيان كالهجرة والاستيطان ، والتي تعد عوامل رئيسية في بنائه ، فكلما اتسعت السيطرة الإسرائيلية علي المياه ، اتسعت مساحته الاستيطانية ، وزاد عدد مهاجريه ، وتدعمت بالتالي أركانه.

4 - إن هذا الاهتمام الصهيوني مر بعدة مراحل ، من ظهور فكرة السيطرة علي المياه علي يد مجموعة من الزعماء الصهاينة ، إلي القيام بمحاولات لإيجاد دعم من القوي الاستعمارية آنذاك لتنفيذ ذلك كواقع علي ارض فلسطين قبل إنشاء هذا الكيان ، ثم ظهور توجهات عملية لتطبيق هذا الفكر وجعله واقعا ملموسا بعد نشأته ، وتدعيم ذلك بقوة من خلال حرب عام 1967م.

5 - إن وجود الكيان الإسرائيلي في المنطقة خلق خللا في توزيع المياه  ، لأنه كيان استعماري يبحث عن الماء لجذب ثم لإرواء عطش ألاف المستوطنين الذين يهاجرون إليه.

6 - إن الطرف العربي في هذه الدراسة ، لا تزال ردود فعله في مواجهة الأهداف الإسرائيلية عند حدود المواجهة الإعلامية ، لا الفكرية أو التنفيذية أو التنظيمية .

7 - إن أزمة المياه في المنطقة كانت مرتبطة إلي حد كبير بالعلاقات العربية مع الدول المجاورة ، فالمياه في المنطقة تتمثل في ثلاث دوائر رئيسية هي :

أ- دول حوض نهر النيل وتضم بشكل رئيسي كل من مصر والسودان وأثيوبيا.

ب- الأنهار التي تغذي كل من الأردن ولبنان وسوريا والكيان الإسرائيلي.

ج- دول حوض نهري دجلة والفرات وتضم كل من سوريا والعراق وتركيا.

وفي هذه الدوائر الثلاث هناك باستمرار دولة غير عربية ، وبالتالي فان طبيعة العلاقة مع هذه الدول ستؤثر بصورة مباشرة علي الموقف من أزمة المياه في المنطقة.

8 - إن الاهتمام بهذه الأزمة لم يعد مقصورا علي دولها ، فاتخذ طابعه الدولي باهتمام الدول الصناعية السبع ، مما يؤكد أهمية هذه الأزمة وأبعادها الخطرة علي المنطقة.

   توصيات الدراسة

 من خلال هذه الدراسة لموضوع أزمة المياه في الصراع العربي الإسرائيلي تتضح مدي الحاجة لإيجاد حلول علمية وعملية لمجابهة هذه المشكلة ومنها :

1- أهمية إيجاد سياسة عربية مائية موحدة للنظر في هذا الموضوع ودراسته ، وذلك لان مشكلة المياه مشكلة مشتركة بين معظم الدول العربية مما يجعل أية دولة عربية عاجزة عن إيجاد حل لها بمفردها.

2- أنشاء وكالة مستقلة لشئون المياه تابعة لجامعة الدول العربية ، يكون من مهامها وضع هذه السياسة ، والأشراف عليها ، ومتابعة تنفيذها ، ودراسة ثم دعم المشاريع المائية العربية.

3- وضع إستراتيجية عربية لحماية الأمن القومي العربي ، وذلك بوقف الهجرة ، والاستيطان الإسرائيلي ، ووضع حد للسيطرة الإسرائيلية علي الثروات المائية العربية.

4- ضرورة تنبه المفاوض العربي للحسابات الإسرائيلية حول المياه ، أذا ما بدأت مفاوضات تسوية في المنطقة.

5- أن هناك غياب لإستراتيجية عربية لاستثمار الروابط التاريخية والجغرافية بدول الجوار – تركيا وأثيوبيا – وغياب هذه الإستراتيجية العربية يوفر للكيان الإسرائيلي الفرصة لاستغلال ذلك ، مما يدعونا للتأكيد علي أهمية الاحتفاظ بعلاقات جيدة مع هذه الدول ومواجهة التحركات الإسرائيلية في هذه الشأن.

6- ضمان استمرار تدفق مياه الأنهار في المنطقة بوضع ترتيبات بين الدول الأطراف في الدوائر المائية بشكل مستقل ، أو ضمن ترتيبات جماعية مع دول الجوار كتركيا وأثيوبيا ، وذلك بعقد المعاهدات والاتفاقات اللازمة معها.

7- أهمية دعم المؤسسات التعليمية ومراكز البحوث والباحثين للقيام بالدراسات حول الوضع المائي العربي – موارده وإمكاناته واحتياجاته – ووضع الحلول لذلك.

8- تثقيف وتوعية شعوب هذه المنطقة ، إعلاميا ، وتعليميا ، بأهمية المياه ، وخطورة الصراع حول مصادرها ، وأنها تمثل تهديدا للأجيال القادمة.

9- استغلال المياه المهدرة عند مصبات الأنهار ، مما يقلل التكاليف العالية لتأمين المياه بواسطة التحلية ، أو الخضوع لضغوط الدول المتحكمة في منابع الأنهار.

10- الدعوة لإنشاء كيان موحد – منظمة – لتنمية واستغلال المشاريع المائية في المنطقة لصالح دولها ، وطرح الحلول الجماعية لمواجهة هذه الأزمة.

11- التأكيد علي رفض تجزئة أو تهميش قضيتنا الأولي القضية الفلسطينية ، فهذه القضية كل واحد لا يمكن القبول بتجزئتها أو تهميشها ، وأزمة المياه جزء من تلك التجزئة أو التهميش.

لقد حاولنا في هذه الدراسة إلقاء الضوء علي موضوع أزمة المياه في الصراع العربي – الإسرائيلي ، وتحليل للمنطقة العربية مما قد يساعد علي توضيح الرؤية لمفكري وصانعي القرار في الوطن العربي ، لكن هذه الدراسة تبقي عاجزة عن الوفاء بمهمتها إذا لم ترتبط بالإرادة لتنفيذ ما نفكر أو نخطط أو نتفق عليه.

وهكذا نجد أن أزمة المياه من أهم الأزمات أمام دول المنطقة موضع الدراسة ، وأنها في الطريق إلي التفاعل والتفاقم في حال عدم وضع حد لها.

ونحن في الختام لا يسعنا إلا أن ننبه إلي خطورة هذه الأزمة ولفت الأنظار إلي أهمية دراستها بعمق وموضوعية للوصول إلي حلول بشأنها.

 

المراجع

(1) عبد المنعم المشاط ، نظرية الأمن القومي العربي المعاصر ( القاهرة : دار الموقف العربي ،   1987م )

(2) وزارة الخارجية – المملكة العربية السعودية ، بحوث دبلوماسية ( الرياض : 1992م )

(3) حامد ربيع ، نظرية الأمن القومي العربي ( القاهرة :دار الموقف العربي : 1995م )

(4) صبحي كحالة ،المشكلة المائية في إسرائيل وانعكاساتها على الصراع العربي الاسرائيلى ( بيروت : مؤسسة الدراسات الفلسطينية ،الأولى : 1980).

(5) عز الدين شكري ، التعاون الاسرائيلى الاثيويى والأمن القومي المصري ، مجلة السياسة الدولية ( القاهرة ، العدد 101 ،يوليو 1990م )

(6) حسين توفيق إبراهيم ، المياه في الشرق الأوسط  صراع أم تعاون . المستقبل العربي ( بيروت : مركز دراسات الوحدة العربية .1987 م )

(7) مركز المعلومات الوطني الفلسطيني ( وفا)  تقرير بعنوان ( المياه في الصراع العربي – الاسرائيلى )

(8) محمد دامو ، الأطماع الإسرائيلية في المياه العربية، وانعكاساتها على الأمن القومي العربي ـ موقع التاريخ الالكتروني

 (9) إبراهيم أحمد إبراهيم ، الأطماع الإسرائيلية في مياه جنوب لبنان ، مجلة السياسية الدولية ( القاهرة : العدد 70 : أكتوبر 1982 م )

(10) رفعت السيد ، الصراع المائي بين العرب وإسرائيل ( القاهرة : دار الهدى ، الأولى : 1993م )