مستقبل العلاقات الأمريكية - السعودية وتداعياتها على إسرائيل

مستقبل العلاقات الأمريكية - السعودية وتداعياتها على إسرائيل

إلداد شبيط ويوآل جوزنسكي - مركز دراسات الأمن القومي

أطلس للدراسات / ترجمة خاصة

تسببت قضية مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي، والكارثة الإنسانية التي ساهمت فيها الحملة العسكرية المستمرة في اليمن بمواجهة أمريكية داخلية بين حكومة ترامب والكونغرس، بما فيهم المشرّعون الجمهوريون الذين يُعتبرون حلفاء للرئيس. خلافًا لموقف الرئيس دونالد ترامب، تبنى مجلس الشيوخ بالإجماع - في خطوة نادرة انضم فيها أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين إلى الديمقراطيين - قرارًا يُلقي المسؤولية كاملةً على ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في جريمة القتل. إضافةً لذلك، أقر مجلس الشيوخ مشروع قانون ينص على وجوب توقف الولايات المتحدة دعم الجيش الأمريكي للمملكة العربية السعودية في سياق حربها ضد المتمردين الحوثيين في اليمن. جديرٌ بالذكر أنه في وقت مبكر من شهر نوفمبر، توقفت القوات الجوية الأمريكية عن تزويد طائرات التحالف العربي التي تهاجم أهداف الحوثيين في اليمن بالوقود (كما تمّ الادعاء بأنّ المملكة لديها قدرة جوية مستقلة للتزود بالوقود).

الفجوة الكبيرة بين موقف الرئيس ترامب وحكومته والمشرّعين قد زادت بشكل أكبر بعد أن استكملت CIA بيانها بشأن اللجان ذات الصلة بكلا المجلسين. ترامب نفسه يستمر في دعم ابن سلمان ويؤكد بأن المصلحة الأمريكية هي الحفاظ على العلاقة الخاصة بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية. وفي رأيه، الأسباب التي تجعل هذا الارتباط مهمًا للحكومة لا تتغير، وعلى الرغم من المشكلة الأخلاقية في مقتل الصحفي؛ فإن الضرورات الاستراتيجية للولايات المتحدة (وعلى رأسها المنفعة الاقتصادية والشراكة في الصراع ضد إيران) تتطلب من الولايات المتحدة ألا تدير ظهرها للمملكة.

ومع ذلك ، فإن الانطباع هو أنه على الرغم من رغبة الرئيس ترامب في وضع القضية خلفه، فإن الكلمة الأخيرة حول هذا الموضوع لم تُقل بعد. هذا بعد أن أشار ترامب بنفسه لجريمة القتل بشكل انتقادي، وطلب من السعوديين العمل على تخفيض أسعار النفط ومساعدة الولايات المتحدة اقتصاديًا وعسكريًا لتعزيز سياساتها في الشرق الأوسط. على أية حال، يبدو أن الضغوط المُمَارسة على الحكومة لا تهدف لوضع حد للعلاقات التاريخية مع المملكة العربية السعودية، بل تهدف لإرسال رسالة وتوضيح لممارسات المملكة، وخصوصًا لولي العهد ابن سلمان، لأن لتصرفات المملكة "غير المسؤولة" ثمن، لذا يتوجب عليها الأخذ بالحسبان الضرورات والمصالح الأمريكية. الأمر المهم بالنسبة للمسؤولين الأمريكيين أنه لا يبدو أن الحكومة يمكن أن تُؤخذ كأمر مسلم به، ومن بين الأمور الأخرى تُتهم الحكومة بسياستها المبنية على المصالح فيما يتعلق بولي العهد، والتي ستعزز عنده الثقة بأنّ الحكومة ستقبل كل خطواته وستمتنع مليًا عن محاسبته.

من المعقول أن تستمر كل من الولايات المتحدة والمملكة السعودية برؤية العلاقة بينهما هدفًا استراتيجيًا، ويبدو أنه بعد أن نجت العلاقات الأمريكية - السعودية من تورط عناصر سعودية في هجمات 11 سبتمبر، فإن الدولتين ستنجحان في التغلب على الأزمة الحالية. علاوةً على ذلك، أيضًا في عهد الحكومات السابقة، وفي الوقت الحاضر أكثر من ذلك، لم تكن قضية حقوق الإنسان في نهاية المطاف في يوم من الأيام عاملًا حاسمًا في ترسيخ النظام السياسي، ولكن مستوى العلاقة الحميمة (التي ميزت العلاقة منذ بدء ولاية حكومة ترامب) وعمق التعاون، من المتوقع أن يتأثر بالخطوات التي اتخذتها الإدارة الأمريكية، وخاصة في رد السعودية على هذه التحركات. وراء الإجراءات العقابية المُتخذة إزاء عدد من المسؤولين السعوديين، من المشكوك فيه أن توجّه الإدارة إصبع الاتهام بشكل مباشر لولي العهد السعودي، ولكنها ستوجه عددًا من الخيارات لتنفيذها بحق قسم من المشرعين، حيث تتعلق بمستوى التعاون في الحملة التي يديرها التحالف بقيادة السعوديين في اليمن وبنطاق وجودة الأسلحة التي ستبيعها الولايات المتحدة إلى المملكة.

حتى الآن، تحاول القيادة السعودية تجنب انتقاد ردود الأفعال في الولايات المتحدة، كما يحاول ولي العهد إدارة أعماله كالمعتاد، بما فيها جولات الزيارات التي قام بها في دول عربية ومشاركته في مؤتمر مجموعة الـ 20 الذي عُقد في الأرجنتين. في ردها، أدانت الخارجية السعودية الخطوات الأخيرة في مجلس الشيوخ "المبنية على اتهامات لم يتم التحقق منها" ورفضت أيّ تدخل بالشؤون الداخلية للمملكة، الرد السعودي عبّر عن الأمل (أو التهديد الضمني) في أن تظل المناقشة بين الأمريكيين، وألا يكون لها أي آثار سلبية على العلاقات الهامة والاستراتيجية بين البلدين. ومع ذلك، من الواضح أن محمد بن سلمان يدرك أن الخطر لم ينتهِ بعد، وأن الإدارة قد تضطر لاتخاذ خطوات أكثر شدة ستضعه أمام معضلة كيفية الرد.

يبدو أن سيناريوهات ردود الفعل المحتملة للمملكة ستتأرجح بين التجاهل والانتظار حتى تمر العاصفة، أو بدلاً من ذلك اتخاذ خطوات صارمة لإظهار الثمن الذي قد يدفعه الأميركيون إذا ما التزموا بمواقفهم (كتعزيز العلاقات مع روسيا). في نفس الوقت، بتشجيع من ولي العهد؛ يمكن للسعوديين أيضًا اتخاذ سياسات فعّالة هدفها تحسين صورة المملكة المتضررة وتوضيح مبادئها الخاصة والتداعيات الإقليمية التي قد تضر بوضعها، هذا الاتجاه قد يكشف عن تعبيرها بشكل مسبق باستعدادها الأكبر لدعم تقديم حل سياسي برعاية الأمم المتحدة للحملة اليمنية والرغبة في تطوير الاتفاقيات الأمنية مع الولايات المتحدة، بما في ذلك اقتناء أنظمة الدفاع الجوي وتعزيز اتفاق للتعاون النووي. وفي هذا السياق، قد تكون هناك أيضًا خطوات للإشارة إلى وجود نية لزيادة جهودها في الحملة ضد إيران، وربما حتى - على الرغم من أنه احتمال أقل (جزئيًا أيضًا بسبب إضعاف موقف ابن سلمان في العالم العربي والإسلامي) - الخطوات التي ستعبر عن الرغبة في تعزيز التطبيع مع إسرائيل.

منذ أن بدأت أزمة قضية خاشقجي، حرص رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو على تأكيد خطورة مقتل الصحفي، متجنبًا المهاجمة المباشرة لولي العهد، ومشيرًا إلى الأهمية التي توليها إسرائيل لاستقرار المملكة كجزء من الصراع ضد إيران. على ما يبدو فإن المجتمع الدولي بشكل عام، والولايات المتحدة على وجه الخصوص، يعلق أهمية كبيرة على الاستقرار الداخلي للمملكة العربية السعودية كعنصر أساسي في حماية المصالح العديدة في المنطقة. ومع ذلك، فإن من المسلّم به أن التدابير التي اتخذتها المملكة بتوجيه محمد بن سلمان، سواء داخليًا (بالأخص صراعات القوة التي يقودها ضد سلسلة طويلة من القضايا السعودية، وعلى رأسها مقتل خاشقجي) أو إقليميًا (الحملة المتواصلة في اليمن، والصراع ضد قطر و"اختطاف" رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري وإجباره على الاستقالة)؛ تشكّل مساهمة لزعزعة استقرار المنطقة، ونفهم من خلالها أن السعوديين في سياساتهم يلعبون بالفعل في أيدي الإيرانيين، الذين لربما يستفيدون من ذلك في إضعاف المملكة وفي تعزيز مناورتهم.

أولويات رئيس الوزراء الإسرائيلي بكل ما يتعلق بكيفية التعامل مع تداعيات قضية خاشقجي صحيحة، ويبدو أن على إسرائيل أن تستمر في السير على خط رفيع بين إدانة الخطوات التي هي تعبير واضح عن انتهاكات حقوق الإنسان وبين إدراك أن فرص التأثير الخارجي بشكل جوهري على سلوك نظام الحكم في المملكة العربية السعودية منخفضة، وأن للمملكة دورًا مهمًا في خلق الميزان الإقليمي لتعزيز المصالح الإسرائيلية. لإسرائيل مصلحة أساسية في الحفاظ على استقرار المملكة، وهي تدرك أن زيادة الضغط الخارجي على العائلة المالكة في هذا الوقت يمكن أن يؤدي إلى عدم الاستقرار، ولكن يجب عليها الاحتراس من الإفراط في التعاطف مع ولي العهد خوفًا من تشويه صورتها الأخلاقية.

حتى لو لم يكن من المتوقع أن تستجيب المملكة العربية السعودية في المستقبل القريب لموقف إسرائيل من خلال اتخاذ خطوات إيجابية وملموسة تجاهها، فإن ذلك سيكون في المدى البعيد عاملًا في القرارات التي ستتخذها القيادة السعودية. مع ذلك، على غرار رغبة المشرعين الأميركيين، من الممكن أن يكون لسياسة السعودية الجامحة أيضًا تداعيات سلبية على إسرائيل، وبالتالي من المنطقي إيجاد طريقة توضح لولي العهد محمد بن سلمان أن هناك قيودًا على استخدام القوة، وأنه يجب أيضًا اتخاذ خطوات لمراعاة مصالح الأطراف الأخرى.

 

ملاحظة: الآراء والألفاظ الواردة في الدراسة تعبّر عن كُتابها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع

المصدر: مركز أطلس للدراسات الإسرائيلية.