خطوة أخرى في المعركة المستمرة ضد التأثير الإقليمي لإيران

خطوة أخرى في المعركة المستمرة ضد التأثير الإقليمي لإيران

بقلم: يورام شفايتسر وأوفيك ريمر - مركز دراسات الأمن القومي

أطلس للدراسات / ترجمة خاصة

في هذه الأيام، انطلقت عملية "درع الشمال" لتحييد أنفاق حزب الله، المتوغلة في المنطقة الحدودية بين إسرائيل ولبنان. بصوت صارخ، كشفت إسرائيل عن وجود الأنفاق وبدء العملية لتحييدها، بعد أن تعقبت معلومات استخباراتية استمرت لعدة سنوات، ترافق العملية خطة مدروسة تجمع ما بين بحث استخباراتي، إحباط هندسي ونشاطات دبلوماسية وإعلامية بمقدورها إيصال توضيح للبنان بشكل عام، وحزب الله بشكل خاص، مقاصد العملية ونطاقها، وذلك بهدف تقليص الخطر من سوء الفهم تجاه التحركات الإسرائيلية، وكذلك من أجل الحصول على دعم دولي لهذه الخطوة. اختيار التوقيت لبدء العملية استند على اعتبارات تشغيلية، تكنولوجية واستخباراتية، تتعلق بتقدير توقيت وصول الأنفاق إلى الاستعداد التشغيلي، وإلى جانب اعتبارات سياسية داخلية في إسرائيل.

حُفرت الأنفاق المتوغلة ضمن الخطة الهجومية البرية التي استعد لها حزب الله ليوم صدور الأوامر، المعروفة باسم "احتلال الجليل"، الخطة هي عنصر واحد فقط من مشهد التهديدات التي يشكّلها حزب الله إزاء إسرائيل، وعلى رأسها عشرات الآلاف من الصواريخ بعيدة المدى، التي تم زرعها في المراكز السكانية في أرجاء لبنان، والتي زادها حزب الله منذ حرب لبنان الثانية بهدف تعزيز ميزان الردع قبالة إسرائيل. تهدف الأنفاق التي حفرها حزب الله لتمكين خلايا وحدات الكوماندوز التابعة للتنظيم (قوة الرضوان) من التسلل خلف الحدود الإسرائيلية، ولمساعدتها في تحقيق "صورة النصر" من خلال - ولو مؤقتًا - الاستيلاء على مستوطنة، قاعدة للجيش الإسرائيلي أو طريق رئيسية. في الجانب الإسرائيلي، عملية كشف الأنفاق وتدميرها تنضم لمشروع بناء جدار إسمنتي في نقاط حسّاسة على طول الحدود، المشروع الذي بدأ قبل أكثر من عام. بناء الجدار وتدمير الأنفاق، إلى جانب تحسين الوسائل الاستخباراتية والكشف، من شأنه أن يقوّض بشكل كبير خطة حزب الله في تشكيل تهديد بري خطير وذي قيمة أمام إسرائيل.

إبطال هذه القدرات لحزب الله يرسّخ التفوق العسكري لإسرائيل، ويعمّق الفجوة ما بينها وبين حزب الله، وقد يؤثّر على توازن الردع المستقر منذ عام 2006. على سبيل المثال: من وجهة نظر حزب الله، إن شعرت إسرائيل بأنها محمية نسبيًا من التهديدات التي يضعها التنظيم أمامها، فإنها ستشعر بالأمان أكثر في شن عملية ضده وتحدي "الخطوط الحمراء" للتنظيم من خلال شن هجوم على لبنان؛ ممّا سيسرّع ديناميكيا التصعيد. ومع ذلك، بما أن الردع المتبادل يرتكز على الكثير، من بينها صدمة 2006 التي مرت بها كل من إسرائيل وحزب الله، التهديد بالتدمير الشامل في لبنان، وفي المقابل الضرر الذي ستلحقه صواريخ حزب الله في إسرائيل، وأيضًا الضرر الذي قد يلحق بإسرائيل من قبل حزب الله في عمله من الأراضي السورية؛ فمن المنطقي أن تكون العملية الإسرائيلية لإحباط تهديد الأنفاق ليس لها من تداعيات فورية، بمعنى زيادة احتمال اندلاع المواجهة.

بشكل ملموس - وأيضًا من وجهة نظر حزب الله - العملية الإسرائيلية ضد الأنفاق، التي تجري في الأراضي الإسرائيلية، هي عملية دفاعية مشروعة، وطالما بقيت على هذا النحو ولم تتجاوز الأراضي اللبنانية، فلن تشكّل أرضية للحرب، وقد تم التعبير عن هذا الرأي من قبل مسؤولين في لبنان، من بينهم رئيس مجلس النوّاب المقرّب لحزب الله نبيه برّي. علاوةً على ذلك، كشف الأنفاق التي اخترقت الحدود هو بمثابة دليل على أنّ حزب الله قد انتهك في السنوات الأخيرة السيادة الإسرائيلية وقرارات الأمم المتحدة المتعلقة بذلك. إسرائيل، في تجنبها لمعاقبة حزب الله، وتوجهها لإحباط تهديد الأنفاق يشير إلى عزمها في الحفاظ على الاستقرار والهدوء على الحدود.

من جانب حزب الله، فقد التزم الصمت؛ لربما بسبب الإرباك الكبير في كشف الأنفاق وإبطال القدرة على التسلل إلى إسرائيل عبرها، ولربما بمحض رغبته في تجنب التصعيد. ومن الممكن التقدير بأن صمته أيضًا يشير إلى عدم رغبته في هذه المرحلة باندلاع تصعيد عسكري أمام إسرائيل، وهذا بسبب استمرار تدخله العسكري بالحرب في سوريا، والتي تسببت للحزب بخسائر فادحة في الأرواح والأموال (آلاف القتلى وما يزيد عن ثمانية آلاف من الجرحى، وعائلات يعمل على دعمها)، وكذلك نظرًا للوضع السياسي الحالي في لبنان، حيث انه يحاول زيادة تأثيره على الحكومة المستقبلية. وعلاوة على ذلك ، فإن أي إجراء هجومي ضد إسرائيل بهدف فرض ثمن لنشاطها في المنطقة الحدودية قد يُعتبر "كمينًا استراتيجيًا" ويكون بمثابة ذريعة لإسرائيل في شن عملية عسكرية في سياقات أوسع بكثير، مثل العمل ضد تهديد الصواريخ الدقيقة في لبنان.

أنفاق حزب الله - كما هو معروف - هي فقط حلقة واحدة من التهديدات التي يشكّلها حزب الله، إيران ومحور المقاومة في المنطقة الشمالية لإسرائيل؛ فهي تنضم إلى مشروع إنتاج الصواريخ الدقيقة في لبنان، والتمركز العسكري لإيران في سوريا: زيادة محاولات إنشاء وإنتاج أسلحة متطورة في أراضيها، ولتأسيس قوة عسكرية شيعية فيها، وإلى المشروع النووي الإيراني.

في الوقت الحالي، ينصب تركيز إسرائيل واهتمامها بشكل خاص على مشروع الحرس الثوري الإيراني وحزب الله لتصنيع وتحويل الصواريخ إلى صواريخ دقيقة موجّهة طويلة المدى على الأراضي اللبنانية. جزء كبير من عمليات إسرائيل في الأراضي السورية في السنوات الأخيرة يهدف لإحباط جهود حزب الله في التسلّح بالصواريخ وتحويل الصواريخ التي يمتلكها في لبنان إلى صواريخ موجهة ودقيقة. القيود السياسية والعسكرية التي تشدّد على حرية تصرف إسرائيل في سوريا، فضلًا عن جهود إيران في نقل الوسائل القتالية والتكنولوجية مباشرة إلى بيروت دون استخدام الوسيط السوري، تنقل الصراع إلى الساحة اللبنانية.

لذلك، كثّفت إسرائيل في الأسابيع الأخيرة صراعها ضد جوانب مختلفة للحدث، بدءًا من خطاب رئيس الوزراء في الأمم المتحدة، الذي عرض فيه مواقع في بيروت يُشتبه في استخدامها بالمشروع، وحتى اجتماعه المستعجل الذي عُقد في بروكسل في الثالث من ديسمبر مع وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، حيث ناقشا التقدم في مشروع الصواريخ الدقيقة؛ هكذا تشير إسرائيل إلى المجتمع الدولي بشكل عام، وإلى حزب الله بشكل خاص، بأنها قد تتخّذ إجراءات قاسية، بمعنى آخر شن هجوم على لبنان، من أجل إزالة التهديد.

كذلك الحديث عن محاولة لزيادة الضغط على حزب الله، وتقديم حل للأزمة بوسائل دبلوماسية من خلال المجتمع الدولي؛ من الممكن أن يوصل إسرائيل للحظة الحقيقة، حيث سيكون عليها التوجه لشن ضربة وقائية ضد مشروع الصواريخ الدقيقة في لبنان. هناك احتمالية أكبر بأن ّسيناريو كهذا من الممكن أن يضع إسرائيل وحزب الله في مسار تصادمي، لأن العمل الجاري في منطقة الحدود كجزء من تحييد الأنفاق يمكن أن يشكل في حد ذاته أهدافًا ملائمة لحزب الله لجني ثمن من إسرائيل.

على أية حال، على الرغم من أنه ليس من المتوقع أن يؤدي هدم الأنفاق بحد ذاتها إلى تصعيد فوري، فإن العلاقات المعقدة والقابلة للانفجار بين إسرائيل وإيران وحزب الله تدخل مرحلة حساسة أخرى تتطلب إدارة حكيمة ومحسوبة من أجل منع الانجرار إلى الحرب، التي لا ترغب بها الأطراف. يجب على إسرائيل أن تواصل نشاطاتها لإحباط الأنفاق لحرمان حزب الله من هذه القدرة وإزالة التهديد البري عن السكان على الحدود، وفي هذا السياق، تستخدم إسرائيل بشكل صحيح وسائل الإعلام المفتوحة والقنوات الدبلوماسية غير المباشرة، مثل قوّات اليونيفيل، لنقل رسائل وتوضيح إجراءاتها فيما يتعلق بأهداف العملية ونطاقها من أجل الحفاظ على الاستقرار ومنع التصعيد.

علاوة على ذلك، الكشف عن خطة حزب الله الهجومية علانية يجب أن يكون بمثابة أساس لتحركات سياسية مهمة، على سبيل المثال، مطالبة إسرائيل الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي بالتالي: (1) زيادة الضغط على إيران وحزب الله للكف عن تعزيز النشاط التخريبي وزعزعة الاستقرار في سوريا ولبنان، (2) تحسين شروط قرار 1701 الصادر عن مجلس الأمن للأمم المتحدة عام 2006، والذي دعا لوقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله، (3) دراسة إمكانية فرض عقوبات إضافية على لبنان، بصورة توضح للحكومة والجمهور الصلة بين الأنشطة "الإرهابية" لحزب الله والمعاناة اللبنانية، (4) مطالبة الحكومة الجديدة في لبنان، عند تشكيلها، بأن تضمن الخطوط الأساسية مبادئ إعلانية لها قيمة تطبيقية بخصوص تحقيق سيادة الدولة والحفاظ على حدودها، وعلى سبيل المثال من خلال إصلاح الرقابة على الموانئ والمطارات بمساعدة غربية. تعزيز مثل هذه الآليات قد يُسهم كثيرًا في منع التدهور إلى حرب مدمرة لكلا الطرفين، من خلال السعي إلى الحد من التهديدات التي تواجه إسرائيل.

في حالة حدوث تدهور في الوضع الأمني على الحدود اللبنانية، يجب على إسرائيل الاستفادة من مسألة كشف الأنفاق لنقل رسالة إلى إيران، عبر الولايات المتحدة وروسيا، بأن عليها أن تعمل على كبح أنشطة حزب الله الهجومية ضدها، وأنه يجب على إيران عدم التدخل في حال اندلعت مواجهة عسكرية بين إسرائيل وحزب الله.

 

ملاحظة: الآراء والألفاظ الواردة في الدراسة تعبّر عن كُتابها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع

المصدر: مركز أطلس للدراسات الإسرائيلية.