العلاقات الأمريكية - الروسية وتداعياتها على إسرائيل

العلاقات الأمريكية - الروسية وتداعياتها على إسرائيل

تسافي مغان- إلداد شبيط - فيرا ميخلين شابير - مركز دراسات الامن القومي

أطلس للدراسات / ترجمة خاصة

اللقاء المرتقب بين الرئيس الأمريكي والروسي على هامش قمة دول مجموعة العشرين الاقتصادية (G20)، الذي عقد في بيونس آيرس (20 نوفمبر-1 ديسمبر) تم إلغاؤه في اللحظة الأخيرة من قِبل الرئيس دونالد ترامب، وذلك حسب بيان رسمي "ردًا على الهجوم الروسي على بحر آزوف تجاه أوكرانيا"؛ سيطرة قوات سلاح البحرية الروسية على ثلاثة سفن بحرية أوكرانية بجانب مضيق كيرتش قرب شبه جزيرة القرم، والتي وقعت قبل بضعة أيام من ذلك.

السلوك الأمريكي ترك الروس محبطين ومحرجين، ويبدو أن إلغاء اللقاء سيكون له مساهمة سلبية أخرى على العلاقات بين البلدين. في وقت سابق، قررت الإدارة الأمريكية تأجيل دعوة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لزيارة واشنطن إلى أجل غير مسمى، لتوسيع العقوبات المفروضة على موسكو والإعلان عن نيته للانسحاب من معاهدة الأسلحة النووية متوسطة المدى (INF) التي تم التوقيع عليها مع الاتحاد السوفييتي عام 1987.

في خلفية الأحداث الأخيرة، ثمة أزمة مستمرة في العلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا، أزمة بدت واضحة منذ بدء ولاية الرئيس ترامب والفشل في تطوير حوار بين زعميْ البلدين. اللقاءات بينهما (بما في ذلك اجتماع قمة عقد في هلسنكي في يوليو 2018 واجتماعات أخرى) لم تُحدث أي تقدم، رغم رغبة الرئيس ترامب بإصلاح العلاقات مع روسيا وتطوير علاقاته مع بوتين، ورغم جهود روسيا التي سجلت خلال السنوات الأربع الماضية، بالتحاور مع الغرب وتحديدًا مع الولايات المتحدة، بهدف التخفيف من الضغوطات التي تُمارس عليها، خصوصًا العقوبات الاقتصادية والعزلة الدولية.

يبدو أن بوتين خطط لاستغلال اللقاء مع ترامب من أجل معاودة محاولة تعزيز جدول الأعمال، المفترض أن يسهل على روسيا التعامل مع أزمتها. في ظل الرفض الغربي لإجراء حوار واضح معها، تمارس روسيا من جانبها ضغوطًا مختلفة، تشمل أزمات بدأت بها، لكن هذه الاجراءات لم تحقق حتى الآن النتائج التي رمت لها.

  1. رغم إنجازات روسيا العسكرية بالقتال في سوريا، تغرق روسيا بالوحل السوري لأنها لم تنجح بالاستفادة من تدخلها بالحرب في التحاور مع الغرب، أكثر من ثلاث سنوات وروسيا تسعى لعملية سياسية أمام الغرب، لكن بالنسبة لموسكو؛ إجراءات موجهة من جانب الولايات المتحدة تقف في طريقها لتحقيق ثمار هذا المجهود. في العام الماضي، لوحظت جهود روسية لتعزيز إنهاء القتال، لكن من أجل ذلك عليها أن تتوصل لتفاهمات مع الولايات المتحدة، وفي يوليو من هذا العام، في هلسنكي خلال لقاء بين ترامب وبوتين، تمت مناقشة اقتراحات من قِبل روسيا لإبعاد القوات الإيرانية من روسيا، لكن لم يتم صياغة اتفاق في هذا السياق.
  2. دخلت روسيا في أزمة مع إسرائيل في أعقاب إسقاط طائرة التجسس الروسية (17 سبتمبر 2018) في سماء سوريا على يد القوات الجوية السورية، وألقت اللوم عليها بالتسبب بالحادثة. يبدو أن الهدف من وراء هذه الأزمة، ما زال قائمًا؛ تغيير "قواعد اللعب" أمام إسرائيل في سوريا، وأن تكون بمثابة أداة ضغط على الولايات المتحدة لاستئناف الحوار مع موسكو، هذه النتيجة لم تتحقق بعد.
  3. سعت موسكو لاستغلال المؤتمر الذي عُقد في باريس (نوفمبر 2018) بمناسبة مرور 100 عام على انتهاء الحرب العالمية الأولى، لإحياء الحوار مع الولايات المتحدة ومناقشة تسوية في سوريا. يبدو أنه خلال اللقاء القصير الذي عقد بين الزعيميْن، رُفع اقتراح روسي لإبعاد القوات الإيرانية من سوريا مقابل إلغاء العقوبات عن إيران، ومع ذلك - وكما هو معروف - فاللقاء القصير لم يثمر عن أية نتائج، باستثناء نية مناقشة القضية بتوسع في قمة الـ G20 في بيونس آيرس.

يُذكر أنه عُقد في باريس أيضًا لقاء قصير بين بوتين وبين رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، وفي هذه المناسبة عرضت روسيا هذا الاقتراح (على افتراض أن إسرائيل ستدعم الاقتراح أمام الولايات المتحدة). وفوق ذلك وبعد رؤية أن الضغوطات السابقة لم تؤتِ أكلها، في 25 نوفمبر حدثت الأزمة البحرية مع أوكرانيا؛ هذه الحادثة تهدد سيادة أوكرانيا في بحر آزوف وبمثابة أداة ضغط عليها، وبالتالي على الغرب بأكمله والولايات المتحدة أيضًا.

  1. في الوقت نفسه، بادرت روسيا لخطوة في الشأن الإسرائيلي - الفلسطيني، حيث اقترحت في نهاية نوفمبر مجددًا التوسط في الصراع، وحتى أنها دعت مسؤول حماس إسماعيل هنية إلى موسكو. لم يتحدد بعد موعد للزيارة، لكن الأمر يشير لمحاولة روسية أخرى للمشاركة في الخطوات الإقليمية وعدم تركها لقيادة أمريكية حصرية.

إن إلغاء اللقاء المرتقب في بيونس آيرس أظهر بوضوح مدى التدهور الذي وصلت له منظومة العلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا. في الواقع، الرئيس ترامب برر الإلغاء بأنه رد على "العدوان"، لكن من المنطقي أنه حدث أيضًا في أعقاب أخبار محرجة "أخرى"، نشرتها الولايات المتحدة قبل وقت قصير من ذلك، حول علاقات بين مقربين لترامب وجهات روسية عشية الانتخابات الأخيرة للرئاسة؛ ولذلك يصعب على الإدارة الأمريكية المناورة بين المصلحة الأساسية للرئيس في إصلاح العلاقات مع موسكو، وبين الصعوبة التي يخلقها التحقيق المستمر في الولايات المتحدة أمام مجال عمله. علاوة على ذلك، التقرير المفترض أن ينشره في منتصف عام 2019 المحقق الخاص روبرت مولر، يُتوقع أن يزيد من التوتر بين البلدين، العقوبات المفروضة على روسيا قد تتضاعف. على خلفية ذلك، من المتوقع أن تشتد الصعوبات التي تمنع صياغة اتفاقيات بين روسيا والولايات المتحدة، سواء في القضايا التي على الطاولة في الشرق الأوسط أو بشأن مسألة شرق أوروبا.

موسكو تسيطر عليها خيبة الأمل، وتشعر بالتحدي، وملزمة برد من شأنه أن ينقذها من الطريق المسدود. يمكن تخمين عدة ردود روسية محتملة:

- الشروع بأزمة واسعة النطاق في الساحة الدولية، في شرق أوروبا أو الشرق الأوسط (أو حتى أفريقيا)؛ رغبة منها بأن تفرض على الولايات المتحدة فتح حوار جوهري معها حول القضايا التي تقلقها.

- إدارة دبلوماسية هادئة بهدف تعزيز التفاهمات، مع تقديم تنازلات معينة للولايات المتحدة، من أجل تعزيز تعميق الحوار.

- دمج أدوات ضغط مدروسة (مثل الأزمات التي بادرت لها في أوكرانيا وسوريا)، مع إدارة حوار هادئ.

في السياق الإسرائيلي، خلال الأيام التي تلت تأجيل اللقاء في الارجنتين، لوحظ تغير إيجابي في لهجة التطرق الروسي لإسرائيل، هذا التغير انعكس في الرد الروسي الذي يمكن اعتباره ايجابيًا لعملية "درع الشمال"، التي يقودها الجيش الإسرائيلي ضد أنفاق حزب الله على الحدود الشمالية. بالإضافة لذلك، ذكرت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية حق إسرائيل بالدفاع عن نفسها ومنع التسلل لمناطقها، كنا نُقل أنه في محادثة هاتفية بين الرئيس بوتين ورئيس الحكومة نتنياهو تم الاتفاق على لقاء قريب بينهما. قد يكون أمر إعادة نظر روسيا حول مسألة العلاقات مع إسرائيل نابعة من أن روسيا غير معنية بأزمة مزدوجة، لا مع إسرائيل ولا مع الولايات المتحدة؛ من هنا، ليس من المستبعد أنه رغم توتر العلاقات بين القوى العظمى؛ إلا ان هناك احتمال للتحسن على مستوى العلاقات بين روسيا وإسرائيل.

وبما أن فرصة أن تجد روسيا والولايات المتحدة حلولًا للخلافات بينهما ضعيفة في الوقت القريب؛ على إسرائيل أن تستعد لاحتمال أن التوتر بينهما قد يؤثر على مجال المناورة الخاص بها أمام مصالح هي معنية بتعزيزها في المنطقة، خصوصًا التعامل مع القوات الإيرانية في سوريا، كذلك حرية العمل الإسرائيلية في إطار الجهود للمساس بمحاولات إيران لتعزيز قدراتها العسكرية على أرض سوريا، وكذلك قدرات حليفها حزب الله.أعلى النموذج

 

ملاحظة: الآراء والألفاظ الواردة في الدراسة تعبّر عن كُتابها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع