التراث الإسلامي بفلسطين .. نبش وسرقة واعتداءات في ظل صمت عربي

التراث الإسلامي بفلسطين .. نبش وسرقة واعتداءات في ظل صمت عربي

تتعرض المقدسات والمقامات العربية في القرى المهجرة التي تم طمس معالمها بالغابات والأحراش بعد نكبة العام 1948، إلى عمليات نبش واعتداءات وسطو وسرقة للآثار، في ظل تقاعس وصمت ما تسمى "سلطة الآثار الإسرائيلية" التي تحظر على الجمعيات العربية دخول المواقع الأثرية التي تتواجد بها المقدسات والمقامات لترميمها وصيانتها.

مقبرة قرية عمواس المهجرة عرضة للتدنيس (تصوير "عرب 48")

في قرية عمواس التي احتلت عام 1967 ودمرها الجيش الإسرائيلي وطرد أهلها، وهو ذات المصير الذي أصاب قريتي يالو وبيت نوبا في منطقة اللطرون، كشف النقاب قبل أيام عن عملية تدنيس ونبش وإجراء حفريات في مسجد ومقام الصحابي معاذ بن جبل.

نبش وحفر في مسجد عمقا (تصوير "عرب 48")

ويتبع المكان الذي تم نبشه وحفره لـ"سلطة الآثار الإسرائيلية" و"دائرة أراضي إسرائيل" التي حولت القرى المهجرة لأحراش ومتنزهات وحدائق عامة، حيث تتعمد إهمال القرى وما تبقى من معالم أثرية، كما تمنع أي جهة عربية من دخول المقام والمسجد والمقبرة في المكان للصيانة والترميم، سعيا من المؤسسة الإسرائيلية لطمس وتدمير هذه المواقع العربية ووضع اليد عليها بذريعة أنها آيلة للسقوط.

نبش وحفر وتدمير لمسجد الغابسية (تصوير "عرب 48")

ومن بين أهم هذه الغابات التي أقيمت لوضع اليد على المقدسات والمعالم الأثرية، تلك التي أقيمت حول مدينة القدس تحديدا في منطقة اللطرون بعد حرب العام 1967، لتقام على أنقاض القرى عمواس ويالو وبيت نوبا التي تم تهجيرها وهدمها بعد أسبوع من انتهاء الحرب.

تسوية وتحريش

وقام ما يسمى الصندوق القومي لإسرائيل (كيرن كاييمت ليسرائيل - ككال) في حينه، بغرس ألشجار متنوعة على أراضي القرى وأقام حرشا، وقد نفذت العملية بحسب خطة مسبقة هدفت إلى تحريش المنطقة المؤدية إلى القدس، وأجهزت جرافات الصندوق على المكان بما سمي بـ"تسوية المكان"، ومن ثم جاء المختصون في غرس الأشجار ليباشروا عملية التشجير، وزرعت في كل عام قرابة 20 ألف دونم.

مقام أبو غزالة قبل نبشه وحفره (أرشيف "عرب 48")

ذات المصير واجهه مسجد عمقا في قضاء عكا ومقام الغابسية في الجليل ومقام أبو غزالة في منطقة "كريات غات"، الذي تعرض للنبش والحفر بنفس الأسلوب، إذ قام مجهولون بإجراء حفريات بعمق يصل إلى متر ونصف المتر قرب أساسات المقامات وتحت المحارب، وذلك بغرض البحث عن كنوز وذهب وقطع أثرية، بحسب ما أكد ناشطون في رعاية وصيانة المقدسات ومختصون في علم الآثار.

مقام أبو غزالة بعد تعرضه للنبش والحفر (تصوير "عرب 48")
 

ووفقا للناشطين، فإن الحديث يدور عن عصابات منظمة تنشط جنوبي البلاد ومنطقة القدس لسرقة الآثار، وأكدوا أن صمت "سلطة الآثار الإسرائيلية" لما تتعرض له المقامات والمواقع الأثرية العربية يشجع ويحفز عمليات النبش والسرقة والتدمير للمواقع الأثرية والمقامات والمقدسات.

نبش وحفر

وتنضاف عملية النبش والاعتداءات والسرقة للمقامات والمواقع الأثرية العربية إلى ما تتعرض له من مخططات للطمس والتهويد من قبل بلديات البلدات الإسرائيلية التي تعمل على وضع اليد على المقدسات وتحويلها لمتاحف أو مرافق سياحية وترفيهية ومطاعم، مثلما تتطلع بلدية طبرية لتحويل مسجد البحر إلى متحف، كما سبقها بذلك بلدية عسقلان التي حولت مسجدا إلى متحف، فيما حول مسجد قرية العباسية التي أقيمت على أنقاضها بلدة "يهود" في الجنوب، إلى كنيس، فيما تحرك بلدية رحوفوت إقامة مجمع تجاري وإسكاني فوق أرض مقبرة الزرنوقة في صرفند.

ووثق باحث الآثار والمقدسات العربية والإسلامية في فلسطين، عبد الرازق متاني، عملية نبش وحفر للعديد من المقامات والمساجد في منطقة الجنوب والتي كان آخرها المقام والمقبرة في قرية عمواس على مشارف اللطرون.

وقال متاني لـ"عرب 48": "تم كشف النقاب عن عمليات السطو والسرقة للآثار في مقام ومسجد الصحابي معاذ بن جبل عن طريق الصدفة، حيث تفقدت الموقع ضمن جولاتي الميدانية للقرية المهجرة التي حُوّلت لمزار سياحي وتتبع لسلطة الآثار الإسرائيلية التي تمنع العرب من صيانة وترميم المكان".

وأوضح أن "عمليات النبش والحفر وسرقة المقامات العربية والإسلامية التي يحظر على العرب دخولها والتواصل معها بغرض ترميمها وصيانتها، تنسجم مع ما سعت إليه المؤسسة الإسرائيلية منذ النكبة بإزالة كافة القرى المهجرة ومعالمها ومقدساتها، حيث أن المؤسسة الإسرائيلية تغض الطرف عن عمليات التدمير لهذه المقامات ليتسنى طمسها أو تدميرها بحجة أنها آيلة للسقوط.

ركام وعصابات

مقام أبو غزالة بعد تعرضه للنبش والحفر (تصوير "عرب 48")

وأضاف متاني: "لقد تم الشروع بإقامة الغابات والأحراش والحدائق العامة لتخفي آثار وركام القرى المهجرة، وقد تولى هذا الأمر الصندوق القومي لإسرائيل، الذي كان له أكبر الأدوار في تهويد الأرض وإنشاء الأحراش على أنقاض القرى ليصل عدد الأشجار التي زرعها الصندوق القومي لإسرائيل عام 1971 إلى 100 مليون شجرة في الغابات المقامة على أنقاض القرى المهجرة، وقد استمر المشروع إلى يومنا هذا بزراعة حوالي 600 ألف شجرة متنوعة في كل عام، في كافة أنحاء البلاد".

نبش وحفر وتدمير مسجد الغابسية (تصوير "عرب 48")

واستعرض باحث الآثار الأساليب التي يتم اعتمادها في عمليات النبش والحفر، لافتا إلى أن "العديد من المواقع والمقامات تعرضت للنبش بذات الأسلوب، حيث يتم الحفر والنبش تحت الأساسات، وكذلك تحت المحراب بالمقام أو المسجد"، وعزا هذه العمليات إلى بحث اللصوص عن كنوز وذهب وقطع أثرية لبيعها، وأكد أن الحديث يدور عن عصابات منظمة تنشط في هذا المجال.

نبش وحفر وتدمير بمسجد الغابسية (تصوير "عرب 48")

وأوضح أنه "تم إزالة وطمس الآثار العربية والإسلامية من مواقع عديدة، منها الآثار التي تعود إلى الفترة المملوكية والعثمانية كونها تقع في الطبقات العليا، وقد كانت جزءا من النسيج المعماري للقرى العربية وتم هدمها خلال عمليات هدم القرى المهجرة".

نهب وتقاعس

وأشار متاني إلى أن "ما تبقى من معالم ومقامات في القرى المهجرة عرضة، اليوم، للنبش والنهب، ما يتسبب بتشققات وتصدعات للمقامات والمساجد التي يمنع ترميمها من قبل المواطنين العرب، فيما تتعمد سلطة الآثار الإسرائيلية إهمالها وتهميشها لتجد ذريعة لانهيار هذه المواقع بسبب عمليات الحفر والسرقة وعوامل الطبيعة".

مقام أبو غزالة بعد نبشه (تصوير "عرب 48")

واتهم الباحث في الآثار "سلطة الآثار الإسرائيلية" بالتقاعس في مكافحة نبش وسرقة المواقع والمقامات الأثرية العربية، لافتا إلى أن "صمت سلطة الآثار عن أعمال القرصنة للمقامات والمقدسات، في الوقت الذي تمنع الجمعيات العربية من دخول المواقع لترميمها وصيانتها، بل وتقوم باعتقال وتقديم كل من يبادر للترميم والصيانة للمحاكمة، يشجع ويحفز أعمال القرصنة والتي هي جزء لا يتجزأ من الطمس والتدمير الممنهج للمقامات، وتحويلها بعضها لكنس أو متاحف"، داعيا إلى "إقامة هيئة عربية رسمية تنشط بالحفاظ على ما تبقى من مقدسات عربية وإسلامية سواء في المدن الإسرائيلية أو في الغابات وفي القرى المدمرة".

ترميم وصيانة

وتنسجم عملية النبش والحفر وسرقة المقامات العربية التي يحظر على العرب دخولها والتواصل معها بغرض ترميمها وصيانتها، مع ما سعت إليه المؤسسة الإسرائيلية منذ النكبة بإزالة كافة القرى المهجرة ومعالمها ومقدساتها، بحسب مدير مؤسسة "ميزان" لحقوق الإنسان، المحامي مصطفى سهيل.

اعتداءات ونبش وحفر ونهب للمقدسات في البلاد (تصوير "عرب 48")
 

 

وقال إن "المؤسسة أبرقت رسائل لسلطة الآثار الإسرائيلية، وطالبتها بتوفير الصيانة والترميم والحماية لمنع نبش وسطو المقامات والمقدسات، وكذلك السماح للمواطنين العرب دخولها بغرض ترميمها وصيانتها".

وأضاف: "لقد وثقنا عمليات نبش وحفر للعديد من المقامات والمقابر، وعلى ما يبدو، فإن الحديث يدور عن عصابات لسرقة الآثار، وتنضاف عمليات السطو إلى ما تتعرض له المقدسات من عمليات طمس واعتداءات عنصرية وانتهاكات وتدنيس وتهويد ومصادرة، ووضع اليد عليها من قبل السلطات الإسرائيلية، سواء بغرض تحويلها المقامات لكنس، والمساجد لمتاحف وأراضي المقابر العربية تباع بالمزاد العلني لشركات العقارات الإسرائيلية لإقامة المشاريع التجارية والإسكانية".

حراك وهيئة

ويتفق الحقوقي سهيل مع باحث الآثار متاني، على ضرورة الشروع بحراك جدي على مستوى شعبي وأهلي والتصدي لعمليات النبش والحفريات، عبر إقامة لجان شعبية تتواصل مع القرى المهجرة لصيانة معالمها وما تبقى منها من مقامات ومقدسات.