فلسطين ما زالت قضية كاشفة لمواقف اللاعبين الكبار والصغار

فلسطين ما زالت قضية كاشفة لمواقف اللاعبين الكبار والصغار

عادت فلسطين مجسا لنوايا ومواقف الأصدقاء والأعداء، وبعد إهمال طويل من «المجتمع الدولي» تحولت لمصدر خلاف ومركز تجاذب بين اللاعبين الكبار؛ الموزعين على معسكرين؛ أحدهما يبذل قصارى جهده لتصفية القضية وشطبها من سجل التاريخ، ويعتمد الصخب والصراخ وإثارة الضوضاء عن وهم أسمه «صفقة القرن»، وعُقِد من أجلها «مؤتمر وارسو»، وإن ادعى منظموه أنه مؤتمر لتشكيل تحالف ضد إيران، وكل ما ذكر عنها هو تصريح «جاريد كوشنر» عراب الصفقة، وصهر الرئيس الأمريكي عن موعد إعلانها، وسيكون بعد إجراء انتخابات الكنيست في 9 نيسان/إبريل القادم. والمعسكر الثاني يبدو ملتزما بالقانون الدولي وعاملا على تطبيقه.

وقد أثيرت حول «مؤتمر وارسو» أسئلة عديدة؛ تعلق بعضها باختيار العاصمة البولندية مكانا لانعقاده، وهي أقل المدن اهتماما بما يجري في المنطقة العربية، وهل للاختيار علاقة بالنوايا الأمريكية؛ الساعية لشق الصف الأوروبي، وخلق عاصمة أطلسية وعسكرية؛ موازية لـ«بروكسل»، التي تضم إلى جانب مقر الاتحاد الأوروبي مفوضيات ومقرات حلف شمال الأطلسي، وكانت حتى وقت قريب مركزا رئيسيا للسياسة الدولية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

وفكرة «مؤتمر وارسو» في الأصل أمريكية؛ تسترت خلف هدف مواجهة إيران، وفي ذلك إفساح للطريق أمام «صفقة القرن»، وكانت الخلافات قد وصلت حد تسخيف الفكرة من قِبَل عواصم أوروبية حليفة للولايات المتحدة؛ لم تَرُق لها الفكرة، حسب ما جاء على موقع «هيئة البث البريطانية بي بي سي».. الذي اعتبر التركيز على إيران وحدها معناه تسليط الضوء على الانقسام الأمريكي الأوروبي، الذي ازداد بعد قرار واشنطن الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران، وقرار نقل السفارة الأمريكية إلى القدس المحتلة؛ وترك ذلك ظلاله على المؤتمر قبل أن يبدأ، وحوله إلى اجتماع «يُروُج لمستقبل السلام والأمن في الشرق الأوسط»!، دون التركيز على إيران، مع التوسع في تناول قضايا أخرى؛ كتفاقم الأوضاع الإنسانية، ومشاكل الهجرة غير الشرعية، والتعامل مع اللاجئين، أو الحد من انتشار الصواريخ، والتهديدات المستجدة؛ كالقرصنة الالكترونية والإرهاب!!.

 

وتولى «رودي جولياني»؛ عمدة نيويورك السابق، وأحد مستشاري ترامب القانونيين؛ تولى التعبير عن الموقف الأمريكي فى مقابلته مع «شبكة سكاي نيوز» الإخبارية، فقال أمام تجمع حاشد للمعارضة الإيرانية؛ عُقِد في المبنى المجاور للمبنى المخصص لـ«مؤتمر وارسو»؛ قال: «هناك توافق دولي عام بشأن ضرورة تغيير السلوك الإيراني، لكن الذي نأمله من المؤتمر شيء أكبر؛ تحالف واسع ضد هذا النظام من أجل تغييره»، وأضاف: انظر ما يحدث فى لبنان وسوريا والدول العربية؛ النفوذ الإيرانى يتوسع ويمثل خطرا على هذه البلاد.. «يجب أن يتوقف كل ذلك». وأعرب عن أمله في تغيير النظام الإيراني وحشد الجهود الدولية المطلوبة لذلك! وفي السياق ذاته، قال عضو مجلس الشيوخ الأمريكي السابق روبرت توريسلي: مؤتمر وارسو يشكل بداية حقيقية لتشكيل تحالف دولي لتغيير النظام الإيراني.

وكانت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأمريكية قد أشارت إلى عدم مشاركة دول أوروبية في قمة وارسو ضد إيران. وأشارت الصحيفة الأمريكية إلى تصريح الممثلة العليا للسياسة الخارجية والأمن في الاتحاد الأوروبي فيديريكا موجيريني بأن عدم المشاركة يعود لعدم وضوح الأهداف من المؤتمر. وقالت الصحيفة إن أوروبيين لن يشاركوا بسبب اختيار «وارسو»، مكاناً لانعقاد القمة، في محاولة لشق الصف الأوروبي، وذلك ما نقلته الصحيفة عن مصادر أوروبية، مضيفة إلى أن الاتحاد الأوروبي لن ينضم إلى تحالف ضد إيران.

وأعلنت وزارة الخارجية الروسية عدم مشاركتها في المؤتمر، ووصفته في بيانها بهذا الخصوص بأنه مؤتمر لا يأخذ برأي دول الشرق الأوسط والدول من خارج الإقليم، علاوة على تجاهله الصراع العربي الإسرائيلي. وتشعر الخارجية الروسية بالقلق بسبب مواصلة الولايات المتحدة فرض مصالحها الأحادية الجانب، عبر مبادرات تقدمها على أنها معبرة عن رأي المجتمع الدولي بأسره. بجانب ما تراه روسيا في نفسها من قدرة على طرح «تسوية بديلة» للصفقة الأمريكية، فهي تحظى بثقة أكبر من جانب الأطراف الفلسطينية، وقريبة من مختلف الدول العربية؛ على عكس الولايات المتحدة التي لا تحظى إلا بثقة تل أبيب، وتنحاز لها بصورة تجعل من الصعب أن تكون شريكا أو وسيطا نزيها، بجانب إن روسيا لها مصلحة في تهدئة أجواء المنطقة المقبلة، وتَجْنِيبها مخاطر انفجارات قوية محتملة؛ قد تنهي كل ما تحقق فيها من تقدم.

وحرص رئيس الوزراء الصهيوني على المشاركة في المؤتمر، ولقاء وفود وزارية عربية؛ من المملكة العربية السعودية واليمن، والأردن والكويت والبحرين، والمغرب وعُمان والإمارات. وجاء التمثيل المصري والتونسي على مستوى وكلاء الوزارات، وكانت إيران قد استحوذت على القدر الأكبر من المناقشات التي دارت بين الوفود، وهي باعتبارها «العدو البديل» للدولة الصهيونية تبنت مع وفود الولايات المتحدة، والدول العربية المرتبط بعلاقات خاصة معها؛ تبنت التركيز على ملاحقة النفوذ الإيراني.

وأمام ذلك التحرك والحشد الصهيو أمريكي تحركت روسيا، وبادرت بالدعوة لعقد قمة؛ ضمتها مع إيران وتركيا في منتجع «سوتشي» الروسي؛ في نفس وقت انعقاد «مؤتمر وارسو»، ولفتت صحيفة «نيويورك تايمز» الأنظار إلى أن سرعة التحرك الروسي يعود للعداء الأمريكي المتصاعد ضد القيادة الروسية، وقد كانت شريكا للصين في التفاوض حول «الاتفاق النووي الإيراني» عام 2015، وسرعة الرد الروسي أثارت قلق الأمريكيين، وبدا ذلك واضحا في تصريحات وزير الخارجية الأمريكي «مايك بومبيو» الحادة، وتصويره روسيا بأنها غير جديرة بالثقة، ووصف مساعي «بوتين» بأنها تُشتت حلف الناتو، وتُضعف الولايات المتحدة، وتُعطل الديمقراطية الغربية!!

وأكدت روسيا موقفها الرافض لمؤتمر «وارسو» على لسان مندوبها الدائم لدى الأمم المتحدة؛ السفير «فاسيلي نيبيزيا»: فقال: نحن لا نشارك في أعمال هذا المؤتمر.. إن ما حدث في وارسو هو العمل على تشكيل حلف معادٍ لإيران، ومن المؤكد أن هذا طريق خاطئ للغاية. وقال المندوب الروسي: نحن هنا لا نتحدث عن تدخل عسكري.

ومن ناحية أخرى استغلت روسيا تعثر «صفقة القرن"،‏ والتراجع الأمريكي في المنطقة العربية‏،‏ واستقبلت في موسكو وفدا فلسطينيا يمثل ‏12‏ فصيلا‏، للتوصل إلى تفاهمات، وإلى تقريب وجهات النظر، ووضع إطار جامع يُمكِّن الفلسطينيين من التصدي لـ«صفقة القرن»،‏ التي وصفها وزير الخارجية الروسي «سيرجي لافروف» بأنها مدمرة‏، لكونها لا تتضمن إقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس‏، ونبه الفصائل الفلسطينية إلى أن الانقسام الفلسطيني من شأنه توفير الذرائع لتسوية تتجاهل الحقوق الفلسطينية‏.‏

 

القدس العربي، لندن، 22/2/2019